حركة حماس
بقلم رون بن يشاي – كاتب إسرائيلي –
• يبدو كأن ساحة القتال في قطاع غزة عالقة، مثل بقية ساحات الحرب التي تتعاون فيها الولايات المتحدة وإسرائيل. الآن، تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب في هذه الساحات كلها التوصل إلى ترتيبات تنهي الحرب، لكن من دون نجاح، وتواجه فيها كلها تعنّت الطرف الآخر الناتج مما يوصف بالتطرف الإسلامي. • تضطر إسرائيل في هذه الساحات إلى تكييف سلوكها العسكري والسياسي وفق التعليمات الآتية من واشنطن، وفي الأساس، لأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يحاول عدم إغضاب الرئيس ترامب، كي لا تخسر إسرائيل التعاون والمساعدات العسكرية والسياسية التي تتلقاها من واشنطن في الجبهة الإيرانية، ولأن الحكومة الإسرائيلية، فيما يتعلق بغزة، غير قادرة سياسياً على اتخاذ القرارات المطلوبة لإنهاء القضية، ولأن الجيش الإسرائيلي يعاني جرّاء مشكلة كبيرة في القوى البشرية القتالية، وهو ما يحدّ من قدرته على تحقيق أهداف الحرب في غزة ولبنان والضفة الغربية وسورية.
• ومع ذلك، حدث تطوُّر مؤخراً فيما يتعلق بغزة استدعى الدعوة إلى اجتماع للكابينت، لكن الاجتماع الذي كان مقرراً اليوم ألغاه نتنياهو في هذه الأثناء. ويبدو كأن هذا التطور مرتبط بقضية نزع سلاح “حماس” والجهاد الإسلامي. وهذا هو الموضوع الرئيسي الذي يعرقل حالياً الجهود الرامية إلى إنهاء حالة الحرب وتنفيذ خطة الـ21 نقطة التي طرحها الرئيس ترامب، ويتعلق الأمر بنتائج اتصالات أجراها مفوض “مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف، وممثل الإدارة الأميركية لشؤون التطبيع الاقتصادي، الحاخام آريه لايتستون، مع وفد من “حماس” وصل إلى القاهرة في منتصف نيسان/أبريل. ووفقاً لملادينوف، أسفرت هذه الاتصالات عن تفاهمات أولية يجب مواصلة مناقشتها بشكل عاجل “كي لا نفقد الزخم”؛ لذلك، من المرجح أنه يرغب في الحصول على ردّ إسرائيل عليها في أقرب وقت ممكن.
• بحسب مصادر مطّلعة على فحوى المحادثات التي جرت في القاهرة، هناك استعداد مبدئي من طرف “حماس” لمناقشة تفكيك جزئي للسلاح يتم على مراحل. ومن المرجّح أن الحديث يتناول ما يُعرّف بـ”السلاح الثقيل” ذي المسار المنحني، مثل الصواريخ والقذائف الصاروخية وقذائف الهاون المتوسطة والثقيلة والصواريخ المضادة للدروع والرشاشات الثقيلة والطائرات المسيّرة (الدرونز)، وربما أيضاً العبوات الناسفة الثقيلة؛ لكن التنظيم يرفض نزع سلاحه الخفيف: المسدسات، والبنادق، والرشاشات الخفيفة، وقاذفات RPG، والقنابل اليدوية (وهي قائمة جزئية لا يزال تركيبها، حتى وفقاً لرؤية “حماس”، خاضعاً للتفاوض).
• ووفقاً لتلك المصادر، يجب أن يتم تفكيك السلاح الثقيل على مراحل، بحيث تقوم إسرائيل في كل مرحلة بخطوة مقابِلة — مثل انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي، أو تخفيف القيود على دخول البضائع والأشخاص إلى القطاع — حتى لا تبقى “حماس” من دون أوراق تفاوُض في مواجهة إسرائيل. • لكن “حماس” برّرت معارضتها القاطعة لنزع سلاحها بخوفها على حياة عناصرها وعائلاتهم. ووفقاً لكبار مسؤولي التنظيم في القاهرة، إذا سلّم عناصر “حماس” أسلحتهم الشخصية لطرف ثالث — سواء أكان ذلك الطرف قوة تثبيت متعددة الجنسيات(ISF) ، أو حتى السلطة الفلسطينية — فلن يتمكنوا، هم وعائلاتهم، من الدفاع عن أنفسهم في مواجهة الميليشيات العائلية التي تعمل ضدهم، بدعم وتشجيع من الشاباك والجيش الإسرائيلي. والأسوأ من ذلك، بحسب ادّعائهم، أنهم سيكونون عرضةً لأعمال ثأر وانتقام دموية من مدنيين عانوا جرّاء جرائم قتل، وتعذيب وإهانات، وسرقة أملاك. …
• لم يتضح موقف “حماس” من مطلب إسرائيل بأن تقوم، هي والجهاد الإسلامي، بتسليم خريطة الأنفاق التي حفروها بهدف تدميرها. صحيح أن الجيش الإسرائيلي دمّر جزءاً كبيراً من أنفاق القتال الرئيسية، وأن عملية تحييدها مستمرة بوتيرة سريعة حتى في الأيام الحالية، وخصوصاً شرق الخط الأصفر، لكن وفق التقديرات، لا تزال هناك مئات الكيلومترات من الأنفاق في المنطقة التي تسيطر عليها “حماس” في وسط القطاع، ولم يُعرف موقف الحركة من مطلب إسرائيل بتسليم وسائل إنتاج العتاد العسكري ومواد المتفجرات، وكذلك من مطلب ترحيل قادة “حماس” من القطاع. • وحسبما ذُكر، فإن “حماس” تشترط أي تقدُّم في العملية الطويلة لنزع سلاحها الثقيل باتخاذ خطوات موازية من جانب إسرائيل — خطوات سياسية واقتصادية وإنسانية — تشمل التسهيلات، وإعادة الإعمار، وغيرها من الامتيازات. وهذه القضايا تتطلب قراراً من الحكومة الإسرائيلية والكابينت قبل إمكان التقدم نحو اتفاقات.
• وأعرب ملادينوف عن تفاؤل حذِر بشأن إمكان التوصل إلى اتفاق لنزع سلاح “حماس”، لكنه شدد على أنها عملية طويلة. ويُقال في إسرائيل، استناداً إلى المعلومات الواردة من القاهرة، إن الحد الأقصى الذي توافق عليه “حماس” في موضوع نزع السلاح بعيد جداً عن الحد الأدنى الذي تطالب به إسرائيل.
• لم يتم إنشاء قوة تثبيت الاستقرار المتعددة الجنسيات، ولجنة إدارة القطاع لا تزال مشلولة
• إن مسألة نزع السلاح ليست هي فقط التي تعرقل الآن تنفيذ خطة النقاط الـ21 التي طرحها ترامب، هناك أيضاً صعوبة في جمع ميزانية بمليارات الدولارات اللازمة لإنشاء وتجهيز ونشر قوة تثبيت الاستقرار المتعددة الجنسيات. الدول الأعضاء في “مجلس السلام” الذي أنشأه ترامب لا تسارع إلى تحويل المبالغ التي تعهدت بها ضمن مبادرات السلام الأميركية، والأموال التي تصل فعلياً جزئية فقط. وهذا أحد الأسباب التي تجعل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع لا تعمل بشكل فعّال حتى الآن. وقدّم ثلاثة من التكنوقراط الفلسطينيين المحايدين، الذين اختارهم ملادينوف لعضويتها، استقالاتهم بحجة عدم السماح لهم بالعمل. ورفض ملادينوف هذه الاستقالات، لكن مصادر فلسطينية تفيد بأن أعضاء اللجنة يشعرون بالإحباط.
• كما أن المبادرة إلى تشكيل قوة استقرار دولية لا تتقدم؛ صحيح أن إندونيسيا وأذربيجان وكازاخستان وكوسوفو وتركيا ودولاً أُخرى أعربت عن موافقة مبدئية على إرسال قوات، لكن إسرائيل تعارض مشاركة تركيا، بينما تنتظر بقية الدول، وعلى رأسها إندونيسيا، التوصل إلى اتفاق بشأن نزع سلاح “حماس” وتأمين التمويل.
• يمكن الإشارة في هذه الصورة غير المتفائلة إلى تطوّرين يُعتبران إيجابيَّين، من وجهة النظر الإسرائيلية؛ الأول هو نتائج الانتخابات البلدية التي جرت في دير البلح، في منطقة تخضع لسيطرة “حماس”، فعلى الرغم من أن 23% فقط من أصل 70 ألفاً من الذين يحق لهم التصويت توجهوا إلى صناديق الاقتراع، فإن قائمة حركة “فتح” حصلت على أغلبية ساحقة من مقاعد البلدية؛ أمّا التطور الثاني، فهو الاتجاه الحاد نحو انخفاض الدعم لـ”حماس” بين سكان غزة، والذي يظهر في استطلاعات رأي يُعدّها عادةً الدكتور خليل الشقاقي في غزة، وفي مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. ومن المثير للاهتمام أن دعم سكان غزة لـ”حماس” انخفض من 70% بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى أقل من 40% في الوقت الحالي، بينما بقيَ الدعم في الضفة الغربية مرتفعاً (نحو 60%). في أي حال، طالما أن “حماس” غير مستعدة لنزع سلاحها بشكل كبير، وطالما لا يوجد دعم اقتصادي وتعبئة دولية كافية، فإن خطة ترامب تبقى على الورق فقط.
• في ظل هذا الوضع، يقول مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي إن على إسرائيل التحرك؛ لقد أدى وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025 إلى توقّف المناورة العسكرية الإسرائيلية ضمن “مركبات جدعون 2″، وترك نحو 43% من مساحة القطاع تحت سيطرة “حماس”، فاستغلت الحركة، التي أصبح هدفها الأساسي الآن هو البقاء كقوة مهيمِنة في القطاع، هذا الوضع لتعزيز حكمها بين أكثر من مليونَي نسمة، يعيش معظمهم في ظروف غير إنسانية داخل مخيمات اللاجئين في وسط القطاع.
• قبلت “حماس” أن تتولى اللجنة الوطنية الحكم المدني، وأن تدير شؤون الصحة والتجارة والتعليم وشبكات الصرف الصحي، لكن “حماس” ستبقى — على غرار حزب الله في لبنان — قوة مسلحة رئيسية تسيطر على القطاع من وراء الكواليس. إلّا إن الجيش الإسرائيلي لا ينوي السماح للحركة بتنفيذ خطتها، لذلك، تقوم فرقتان عسكريتان وستة ألوية قتالية مؤخراً بدفع الخط الأصفر نحو الغرب، وبوتيرة متسارعة، تتم تصفية عناصر في “حماس” والجهاد الإسلامي، وكذلك الذين شاركوا في هجوم 7 أكتوبر.
• لكن هذا لا يكفي، بحسب كبار المسؤولين في الجيش؛ فهم يقولون إنه يجب استغلال حقيقة عدم وجود رهائن إسرائيليين في غزة الآن للتحرك بكامل القوة النارية والمناورة بهدف نزع سلاح “حماس” وإسقاط سيطرتها على القطاع، حتى لو كانت هذه السيطرة من وراء الكواليس. ويضيف هؤلاء المسؤولون أنه نظراً إلى أن القتال في لبنان محدود، فهناك قوات متاحة يمكن استخدامها في غزة لإنهاء المهمة بسرعة، ومع ذلك، يعترف هؤلاء الضباط وكبار المسؤولين الأمنيين بأنه يجب أخذ إنهاك قوات الاحتياط بعين الاعتبار، إذ لا يمكن تنفيذ عملية عسكرية مكثفة في القطاع من دونهم، وفي الوقت عينه، يجب البقاء في حالة استعدادٍ لمناورة في لبنان، ولتصعيد محتمل في الضفة الغربية، فضلاً عن ضرورة الحصول على الموافقة على هذه العملية من البيت الأبيض.
المصدر: صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية – نقلاً عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية
