ترجمة خاصة بمجلة شؤون آسيوية –
بقلم سيد حسين موسويان*
أبرزت تصرفات واشنطن وتل أبيب العدائية عيوب المعاهدة، فالامتثال لها لا يحمي أمن الدولة ولا يضمن المساواة في المعاملة بموجب القانون الدولي.
وبينما يجتمع الدبلوماسيون في نيويورك من 27 أبريل إلى 22 مايو لحضور الدورة الأخيرة لمؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تتعرض مصداقية المعاهدة لضغوط غير مسبوقة.
صُممت المعاهدة كصفقة شاملة بين ضبط النفس النووي وضمانات الأمن، لكنها تواجه الآن أزمة أعمق، لا تتعلق بالامتثال التقني، بل بالثقة السياسية. ويتجلى هذا التوتر بوضوح في حالة إيران.
لأكثر من عقدين، كانت إيران الدولة الأكثر خضوعًا للمراقبة المكثفة في ظل رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن إجمالي ميزانية الوكالة، يُخصص الجزء الأكبر لمراقبة برنامج إيران النووي والتحقق منه والإشراف عليه، أكثر من أي دولة أخرى.
على مدى العقدين الماضيين، لم تُقدّم تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتتالية، إلى جانب تقييمات الاستخبارات الأميركية المتاحة للعموم، أدلة قاطعة على وجود برنامج أسلحة نووية نشط.
منذ عام 2003، انخرطت طهران في مفاوضات متواصلة مع القوى الكبرى، تُوّجت بالتوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015)، والتي بموجبها فرضت قيود نووية كبيرة على إيران والتزمت بها.
إلا أن انسحاب الولايات المتحدة اللاحق من الاتفاق شكّل نقطة تحول حاسمة. وفي السنوات اللاحقة، استؤنفت الجهود الدبلوماسية، بما في ذلك المحادثات الأمريكية الإيرانية في عامي 2025 و2026، بالإضافة إلى مسار إسلام آباد، وكلاهما حقق تقدمًا ملموسًا، بحسب التقارير.
إلا أن هذه المفاوضات طغى عليها في نهاية المطاف تجدد العمل العسكري من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، إلى جانب تشديد العقوبات وفرض أشكال من الحصار الاقتصادي والسياسي.
دروس استراتيجية
تبلورت هذه التجربة في مجموعة من الدروس الاستراتيجية التي تُشكّل الآن رؤية إيران النووية:
أولًا، الامتثال لا يضمن الأمن. لم يقتصر الأمر على فشل عضوية طهران في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والالتزام بضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في توفير ضمانات أمنية، بل تزامن ذلك مع تفاقم مواطن الضعف، والتي تجلّت في عقوبات شاملة، وعمليات إلكترونية متواصلة كهجوم “فيروس ستاكسنت” الذي ألحق أضرارًا بالبنية التحتية النووية، وصولًا إلى الضربات العسكرية ضد المنشأت النووية، مما ساهم، من وجهة نظر طهران، في خلق تهديد وجودي تعززه الحرب والحصار الاقتصادي.
ثانيًا، قد تزيد الشفافية من انكشاف الدولة الاستراتيجي. فالكشف عن المعلومات التفصيلية وعمليات التفتيش الدقيقة تكشف عن منشآت وأفراد ذوي حساسية عالية، مما قد يزيد من نقاط الضعف من خلال توفير معلومات تُستغل في أعمال قسرية، بما في ذلك العمليات الإلكترونية، وحوادث التخريب، وعمليات الاغتيال المستهدفة لعلماء نوويين، والضربات العسكرية ضد بنى تحتية نووية رئيسية، مثل منشآت تخصيب اليورانيوم والماء الثقيل في نطنز وأصفهان وأراك خلال الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
يُعتقد أن ما لا يقل عن 14 عالماً نووياً كانوا من بين ضحايا عملية “الأسد الصاعد” الإسرائيلية، التي انطلقت في 13 يونيو 2025. وقبل عام 2025، قُتل عدد من العلماء الإيرانيين في عمليات اغتيال امتدت بين عامي 2010 و2020، من بينهم محسن فخري زاده (2020)، وماجد شهرياري (2010)، ومسعود علي محمدي (2010).
ثالثاً، يُنظر إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية على أنها خاضعة لتأثيرات سياسية. ويتزايد لجوء المسؤولين الإيرانيين إلى اعتبار الوكالة ليست هيئة فنية بحتة، بل هيئة تتأثر بضغوط جيوسياسية، لا سيما من الدول الغربية.
وقد انتقدت هيئات رفيعة المستوى، من بينها وزارة الخارجية الإيرانية ومنظمة الطاقة الذرية، تقارير الوكالة علناً، واصفةً إياها بأنها “ذات دوافع سياسية” وتعكس تأثيراً خارجياً، خاصةً في سياق قرارات مجلس المحافظين وتقييمات ما بعد النزاع. تؤكد هذه التصريحات تزايد الشعور في طهران بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد انحرفت عن الحياد التقني الصارم، وأنها تعمل، جزئيًا على الأقل، ضمن ديناميكيات سياسية أوسع.
تآكل الثقة
تزايد انعدام الثقة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية داخل إيران بشكل مطرد على مدى العقدين الماضيين، لا سيما في ظل مزاعم استغلال عمليات التفتيش لأغراض استخباراتية. ففي عام 2010، اتهم وزير الاستخبارات الإيراني حيدر مصلحي الوكالة بإرسال “جواسيس يعملون لصالح منظمات استخبارات أجنبية بين مفتشيها”.
وبعد الهجمات الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية عام 2025، اشتدت هذه الشكوك. فقد اتهم النائب الإيراني البارز محمود نبويان مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتجسس، وزعم اكتشاف رقائق إلكترونية للتجسس مخبأة في أحذية المفتشين أثناء عمليات التفتيش الأمني في المواقع النووية.
هذه الاتهامات، سواء أكانت صحيحة أم لا، زادت من تآكل ثقة الإيرانيين بحياد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعززت الدعوات في طهران لتقييد عمليات التفتيش.
رابعًا، تُسهّل عمليات التحقق لهذه الوكالة الدولية اتخاذ تدابير قسرية. يُنظر إلى تقارير الضمانات وقراراتها على أنها تُوفّر تبريرًا قانونيًا وسياسيًا للعقوبات والعزلة الدبلوماسية وغيرها من أشكال الضغط.
بعد أيام قليلة من الضربة الإسرائيلية الأمريكية على إيران عام 2025، اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتوفير “ذرائع” مكّنت إسرائيل من تبرير غاراتها الجوية الأخيرة على المواقع النووية الإيرانية.
خامسًا، هيمنة الولايات المتحدة وإسرائيل في صياغة الملف النووي الإيراني. إن مسار المفاوضات النووية الإيرانية منذ عام 2003 – والذي تُوّج بالاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) وما تلاه من تطورات، بما في ذلك انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وتصاعد التوترات التي وصلت إلى حد العمل العسكري من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل – لا يدع مجالًا للشك في أن هذين الطرفين قد لعبا الدور الرئيسي والحاسم في صياغة الملف النووي الإيراني.
عمليًا، كان اتجاه العملية وسرعتها ونتائجها مُوجّهة إلى حد كبير من قِبل واشنطن وتل أبيب، بينما احتلت المؤسسات متعددة الأطراف موقعًا ثانويًا وغير فعّال إلى حد كبير. يبدو أن هيئات مثل مجلس الأمن الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب الإطار الأوسع لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، قد اضطلعت في هذا السياق بدورٍ إجرائي أو رد فعلي في المقام الأول، بدلاً من كونها جهات فاعلة مستقلة ومؤثرة.
ومن هذا المنظور، يُفسَّر عجزها عن اتخاذ حتى أبسط المواقف – كإصدار إدانات صريحة لاغتيالات العلماء النوويين الإيرانيين أو لشنّ ضربات عسكرية تستهدف المنشآت النووية – على أنه دليل على تراجع فعاليتها وتقييد استقلاليتها. ويثير هذا النمط تساؤلات جوهرية حول قدرة نظام عدم الانتشار على العمل كإطار محايد وذي سلطة في مواجهة الصراعات الجيوسياسية الكبرى.
ومن هذا المنظور، فإن مؤتمرات المراجعة الدورية لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تُخاطر بأن تُنظر إليها لا كآليات فعّالة للحوكمة، بل كإجراءات شكلية تستنزف الوقت والموارد من دون تحقيق نتائج ملموسة.
تقويض المصداقية
وبالنظر إلى هذه التطورات مجتمعة، فقد قوّضت بشدة مصداقية معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن الدولي في نظر العديد من الدول، ولا سيما إيران. من وجهة نظر طهران، لم تُفضِ سنوات الامتثال والتفتيشات المُتطفلة والاتفاقيات المُتفاوض عليها إلى تحقيق الأمن أو التطبيع؛ بل بلغت ذروتها في فرض عقوبات وإكراه وتخريب، وصولاً إلى هجوم عسكري.
في الوقت نفسه، لا تزال دول أخرى غير نووية تحتفظ بقدرات تخصيب متقدمة من دون أن تواجه مطالبات بإزالتها، بينما تبقى الدول النووية خارج إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بمنأى كبير عن ضغوط مماثلة. والأبرز بينها أن إسرائيل ظلت الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط التي ترفض الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ما يعرقل فعلياً تنفيذ قرارات الأمم المتحدة القديمة التي تدعو إلى إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، لم تمارس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا مجلس الأمن، ولا القوى العالمية الكبرى ضغوطاً فعّالة على إسرائيل بشأن ترسانتها النووية. وقد عزز التباين مع كوريا الشمالية الاعتقاد بأن الردع الاستراتيجي – وليس الامتثال للمعاهدات – هو الضمانة النهائية للبقاء. ونتيجة لذلك، باتت المبادئ الأساسية لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية موضع تساؤل متزايد. فإذا خلصت الدول إلى أن الالتزام بتعهدات عدم الانتشار النووي لا يحمي أمنها ولا يضمن المساواة في المعاملة بموجب القانون الدولي، فإن الثقة في نظام عدم الانتشار برمته ستستمر في التآكل.
إن استعادة الشرعية تتطلب أكثر بكثير من مجرد تأكيدات إجرائية؛ فهي تستلزم إعادة بناء الثقة في حياد المؤسسات الدولية وسد الفجوة المتزايدة بين المبادئ القانونية والواقع الجيوسياسي.
سيد حسين موسويان باحث زائر متعاون مع جامعة برينستون، ورئيس سابق للجنة الأمن القومي والعلاقات الخارجية الإيرانية. من مؤلفاته: “إيران والولايات المتحدة: نظرة من الداخل على الماضي الفاشل والطريق إلى السلام”، الصادر في مايو 2014، و”شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل”، الصادر في مايو 2020. أما أحدث مؤلفاته فهو “هيكل جديد للأمن والسلام والتعاون في الخليج الفارسي”، فقد صدر في ديسمبر 2020.
المصدر: ميدل إيست آي
