الصين من الداخل في عيون باحث سعودي (1): الصين لم تبدأ من الصفر /صحيفة الشعب اليومية أونلاين/ 2026:10:13.09:09 مقدمة: تقف الصين اليوم أمام سؤال يختلف عن السؤال الذي رافق صعودها. فلم يعد التحدي كيف يبدأ النمو، بل كيف يستمر حين تتغير الشروط التي صنعته. ومع ذلك، كثيرا ما يختزل النقاش حول الصين، عربيا وعالميا، في صورتين: معجزة بلا تفسير، أو خطر بلا قياس. وبينهما تضيع الأسئلة الأهم: من يقرر؟ من يمول؟ كيف تخصص الموارد؟ كيف تتشكل الحوافز؟ وأين تنتهي الدولة ويبدأ السوق؟ من هنا جاءت فكرة هذه المقالات التي يتم تحضيرها من عابد علي الشريف، نائب مدير مكتبة الملك في جامعة بكين: دراسة تجربة الصين لاستخدامها مدخلا لفهم التنمية نفسها؛ من خلال مؤسساتها وحوافزها وحدودها، وكيف بنت قدرتها، وكيف استخدمت مواردها، وما الذي أسهم في نجاحها، وما الذي ينبغي التحسين. فهذه الأسئلة لا تخص الصين وحدها، بل تتصل بسؤال أوسع يهم العالم، والعالم العربي على وجه الخصوص: ماذا تكشف التجربة الصينية عن العلاقة بين الدولة والسوق، وبين الاستثمار والإنتاجية، وبين تعبئة الموارد وكفاءة استخدامها؟ هذه السلسلة لا تسأل: هل نستطيع أن نصبح مثل الصين؟ بل تسأل سؤالا أعمق: ماذا يمكن أن نفهم عن التنمية من خلال التجربة الصينية؟ المقال الأول الصين لم تبدأ من الصفر تختصر قصة الصين أحيانا في جملة: كانت فقيرة، ثم جاء دنغ شياو بينغ والسوق، فأصبحت غنية. الجملة تختصر التحول، لكنها لا تفسره. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين أن تفهم الصين وأن تعجب بها فقط. في 1978، لم تكن الصين صفحة بيضاء. كانت قد بنت، على مدى ثلاثة عقود، جهاز دولة مركزيا يوجه الاستثمار، وقاعدة للصناعة الثقيلة، وشبكة أساسية للتعليم والصحة. كان لديها أطباء في القرى، ومصانع ومعاهد؛ لكنها كانت تواجه أيضا نقصا في سلع وموارد أساسية، وفجوة تكنولوجية مع الخارج. كانت هناك قدرات قائمة، لكنها لم تكن قدرات مكتملة أو مستخدمة بكفاءة. ولنقف عند صورة تلك السنة. بلغ عدد السكان في البر الرئيسي نحو 963 مليون نسمة، وكان أكثر من 82٪ منهم يعيشون في الريف، وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي نحو 381 يوانا بأسعار تلك السنة. أما الارتباط بالأسواق الخارجية فكان محدودا: بلغت صادرات السلع نحو 4.6٪ من الناتج، بحساب النسبة من القيم الرسمية، وكانت حصة الصين من الصادرات العالمية نحو 0.8٪ . وقدر متوسط نمو الناتج الحقيقي بين 1953 و1978 بنحو 6.1٪ سنويا. لكن الجزء الأكبر من ذلك النمو، وفق التقديرات، جاء من زيادة رأس المال والعمل، لا من ارتفاع الإنتاجية . وهنا يظهر الفرق الذي سيصبح محوريا: الفرق بين الإنتاج والإنتاجية. أن يزيد إنتاجك لا يعني أنك أصبحت أكفأ؛ فقد تنتج أكثر لأنك بنيت مصنعا ثانيا، لا لأن المصنع نفسه أصبح ينتج أكثر بالموارد نفسها. وخلال تلك العقود، مرت البلاد أيضا بأحداث خلفت خسائر بشرية واقتصادية واسعة، مثل مجاعة 1959-1961. وتربط دراسات اقتصادية المجاعة بتحويل العمالة بعيدا عن الزراعة، وسياسات جمع الحبوب وتوزيعها، وعدم استجابة نظام التخطيط للمعلومات المتغيرة عن الإنتاج والاحتياجات. فلم تكن المشكلة أن الصين بلا قدرة، كما لم تكن جميع القدرات التي تحتاج إليها متوافرة. كانت المشكلة أيضا في كيفية استخدام ما بنته بالفعل؛ وهو جانب تبرزه الدراسات التي تربط ارتفاع الإنتاجية لاحقا بتغير الحوافز والمؤسسات، إلى جانب التجارة والاستثمار الأجنب. وكان من أوجه الخلل نظام الحوافز، وتحديدا الصلة بين الجهد والعائد؛ فعندما يكون ما يعود عليك شبه ثابت، سواء عملت بجد أم لم تعمل، يضعف الدافع إلى بذل جهد إضافي. وظهر الخلل أيضا في الأسعار: عندما تحدد من دون أن تعكس واقع العرض والطلب، تضعف صلة القرار بالمعلومة المحلية. وشمل كذلك تخصيص الموارد: كيف يقرر ما يبنى أصلا، وأين، ولمن؟ هذه الآليات جزء من تفسير الدراسات لاختلالات الاقتصاد قبل الإصلاح، وليست تفسيرا وحيدا لكل مشكلاته. وهنا يصبح سؤال استنساخ التجربة أكثر تعقيدا. فالإصلاح الصيني لم يكن مجرد إزاحة للدولة، بل تضمن تغييرا في أدوارها وفي توزيع سلطة القرار، فالسلطات المحلية حصلت على مساحة أوسع للتجريب، وأن تجارب جرى تبنيها وتعميمها لاحقا، بالتوازي مع توسيع دور السوق. لم يكن السؤال إذن عن حضور الدولة أو غيابها فقط، بل عما تقرره، وما تتركه لغيرها، وكيف تتعلم من النتائج. ومن هذه الزاوية، لم يكن عام 1978 لحظة البداية من الصفر، بل نقطة تحول في طريقة استخدام قدرات موجودة، وفي بناء قدرات جديدة أيضا. دخلت الصين الإصلاح وفي يدها مؤسسات ومصانع ومهارات تراكمت قبله؛ ثم تغيرت الحوافز وطريقة تخصيص الموارد، واستمر الاستثمار والتعلم ونقل التكنولوجيا. لم تكن مرحلتين منفصلتين: بناء القدرة أولا، ثم استخدامها لاحقا؛ بل عمليتين تداخلتا خلال الإصلاح. وهذا يقود إلى سؤال أوسع: ليس فقط كيف تفتح الأسواق، بل ما القدرات والمؤسسات التي تتيح الاستفادة من انفتاحها؟ ويبقى السؤال الاهم: إذا لم تكن الصين تبدأ من الصفر، فأين بدأت أولى خطوات تغيير طريقة استخدام ما لديها؟ في بكين، أم في مكان أبعد؟ المصدر: arabic.people.com.cn Views: 3 تصفّح المقالات تدشين مسار جوي جديد بين الصين وإثيوبيا شي يدعو إلى تحقيق تقدم حاسم في تنمية الصين الصحية