حرب اليمنحرب اليمن

بقلم هدى علي* |

حين تتداخل الحسابات السياسية مع المخاوف الأمنية تصبح الحروب أكثر تعقيداً من أن تُختزل في طرف منتصر وآخر مهزوم، وتغدو الشعوب أول من يدفع الثمن وآخر من يجني ثمار التسويات.

لم تكن الحرب في اليمن مجرد مواجهة عسكرية بين المملكة العربية السعودية وجماعة أنصار الله، المعروفة بالحوثيين، بل كانت امتداداً لأزمة سياسية يمنية عميقة تداخلت فيها الصراعات الداخلية مع التنافس الإقليمي وتشابكت خلالها اعتبارات الأمن القومي مع حسابات النفوذ والمصالح الاستراتيجية.

ولفهم هذا الصراع بعيداً عن الانحياز والمواقف المسبقة لا بد من النظر إلى جذوره التاريخية، دوافع أطرافه، والظروف التي أسهمت في استمراره فضلاً عن نتائجه الإنسانية والسياسية التي تجاوزت حدود اليمن لتترك آثارها على المنطقة بأكملها.

جذور الأزمة: من الخلاف الداخلي إلى المواجهة الإقليمية

تعود جذور الأزمة اليمنية إلى سنوات سبقت التدخل العسكري السعودي حين شهد اليمن اضطرابات سياسية واجتماعية متراكمة تفاقمت بعد احتجاجات عام 2011 وما أعقبها من انتقال سياسي لم ينجح في تحقيق الاستقرار المنشود.

وفي أيلول 2014 سيطرت جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء مستفيدة من هشاشة مؤسسات الدولة والتحالفات الداخلية المتغيرة، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الخلاف مع السلطة الانتقالية وانتهى بتدهور الوضع السياسي والأمني.

ومع تقدم الحوثيين نحو مناطق أخرى من البلاد دخلت الأزمة مرحلة جديدة في آذار 2015 عندما قادت السعودية تحالفاً عسكرياً للتدخل في اليمن استجابة لطلب الرئيس اليمني آنذاك عبد ربه منصور هادي، وبهدف معلن يتمثل في دعم الحكومة المعترف بها دولياً ومنع انهيار مؤسساتها.

ومنذ تلك اللحظة لم يعد الصراع شأناً يمنياً داخلياً فحسب بل تحول إلى أزمة إقليمية ذات أبعاد سياسية وعسكرية وأمنية متشابكة.

السعودية، الأمن القومي وحسابات الجوار:

من المنظور السعودي مثّل صعود الحوثيين وسيطرتهم على مناطق واسعة من اليمن تحدياً أمنياً مباشراً نظراً إلى الحدود الجغرافية الطويلة بين البلدين وما يمكن أن يترتب على وجود قوة مسلحة معادية قرب تلك الحدود من تهديدات محتملة.

وقد ازدادت هذه المخاوف مع الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت أراضي المملكة ومنشآتها الحيوية خلال سنوات الحرب، وهو ما جعل حماية الحدود والبنية التحتية جزءاً أساسياً من الموقف السعودي.

كذلك تنظر الرياض إلى الملف اليمني في إطار التوازنات الإقليمية ولا سيما علاقة الحوثيين بإيران، التي تتهمها السعودية بدعم الجماعة عسكرياً وسياسياً وهي علاقة تؤكدها تقارير دولية بشأن أشكال من الدعم العسكري، وإن كانت طبيعة القرار الحوثي ومدى استقلاليته مسألتين أكثر تعقيداً من اختزالهما في مجرد تبعية خارجية.

ومع ذلك فإن فهم الدوافع الأمنية السعودية لا يعني بالضرورة تبرير جميع الوسائل التي استُخدمت خلال الحرب فقد أثارت العمليات العسكرية للتحالف ولا سيما الضربات التي أوقعت ضحايا مدنيين انتقادات حقوقية واسعة وتساؤلات جدية حول الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.

وهنا يظهر الفرق بين الاعتراف بالمخاوف الأمنية المشروعة لأي دولة وبين إخضاع الإجراءات المتخذة لمعالجتها للتقييم والمساءلة.

الحوثيون، الطموح السياسي ومنطق المواجهة:

في المقابل تقدم جماعة الحوثيين نفسها بوصفها حركة يمنية نشأت في سياق سياسي واجتماعي محلي، وترى أنها واجهت التهميش والإقصاء وأن تدخلها العسكري والسياسي جاء نتيجة اختلالات عميقة في بنية السلطة اليمنية.

ومن هذا المنطلق تنظر الجماعة إلى التدخل العسكري السعودي باعتباره تدخلاً خارجياً في الشؤون اليمنية، وتستند إلى خطاب السيادة الوطنية ومقاومة النفوذ الأجنبي في تفسير موقفها من الحرب.

غير أن هذا التصور لا يلغي حقيقة أن توسع الجماعة بالقوة المسلحة، وسيطرتها على مؤسسات الدولة ورفضها في مراحل مختلفة ترتيبات سياسية وأمنية مطروحة، أسهمت في تعميق الأزمة وتعطيل فرص التسوية.

كما واجه الحوثيون اتهامات موثقة من منظمات حقوقية تتعلق بالاعتقالات التعسفية، تقييد الحريات، تجنيد الأطفال، زراعة الألغام، والهجمات التي طالت المدنيين.

وبذلك فإن فهم الخلفيات السياسية والاجتماعية لصعود الحوثيين لا يستلزم إغفال مسؤولياتهم عن القرارات والممارسات التي ساهمت في إطالة أمد الصراع وزيادة كلفته.

اليمنيون، بين حسابات الأطراف وكلفة الحرب:

وسط هذا التعقيد بقي المواطن اليمني الطرف الأكثر تعرضاً لتداعيات الحرب، والأقل قدرة على التأثير في مساراتها، فقد أدت سنوات القتال إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، إضعاف المؤسسات الاقتصادية والخدمية، نزوح ملايين الأشخاص، تفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي فضلاً عن الأضرار التي لحقت بقطاعات الصحة والتعليم.

ولم تكن المعاناة الإنسانية نتيجة العمليات العسكرية المباشرة وحدها بل ساهمت فيها أيضاً القيود المفروضة على حركة السلع والأشخاص، الانقسام الاقتصادي والمؤسسي، تعثر صرف الرواتب، تراجع فرص العمل، واستمرار المواجهات في مناطق متعددة.

ومن المهم هنا إدراك أن اليمن ليس ساحة يتنافس فيها طرفان فقط فهناك الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي وقوى محلية وقبلية وسياسية متعددة لكل منها مصالحها وتصوراتها لمستقبل البلاد، ولهذا فإن اختزال الحرب في مواجهة سعودية حوثية على الرغم من أهمية هذا البعد لا يقدم صورة مكتملة عن طبيعة الأزمة اليمنية.

من المواجهة العسكرية إلى البحث عن التسوية:

أظهرت سنوات الحرب أن التفوق العسكري – مهما بلغ حجمه – لا يكفي وحده لإنهاء نزاع تتداخل فيه الانقسامات الداخلية مع المصالح الإقليمية.

فالسعودية لم تتمكن من تحقيق جميع أهداف تدخلها العسكري، في حين لم يستطع الحوثيون تحويل سيطرتهم على مناطق واسعة إلى تسوية سياسية تحظى بقبول جميع الأطراف اليمنية.

ومع مرور الوقت برز اتجاه متزايد نحو الحلول الدبلوماسية خصوصاً بعد الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022 والتي ساهمت في خفض مستوى المواجهات الواسعة، رغم انتهاء مدتها الرسمية وبقاء ملفات جوهرية دون حل.

كما عكست المحادثات السعودية الحوثية إدراكاً متزايداً بأن استمرار الحرب يحمل تكاليف أمنية واقتصادية وإنسانية لا يمكن تجاهلها، لكن التهدئة بين الرياض والحوثيين -على أهميتها- لا تعني بالضرورة تحقيق سلام شامل في اليمن إذ إن أي اتفاق لا يعالج مسألة تقاسم السلطة، ومستقبل المؤسسات العسكرية، والحقوق السياسية لمختلف المكونات اليمنية قد ينجح في تخفيف المواجهة الإقليمية دون إنهاء جذور الصراع الداخلي.

بين المسؤولية السياسية وضرورة السلام:

إن تناول الحرب اليمنية بموضوعية لا يعني مساواة جميع الأطراف في حجم القوة أو طبيعة المسؤولية، كما لا يعني تجاهل الفروق بين دوافعها وقراراتها ونتائج أفعالها، فالموضوعية الحقيقية تقوم على فهم مخاوف السعودية الأمنية دون إغفال آثار تدخلها العسكري، وفهم جذور الحركة الحوثية ومطالبها السياسية دون التغاضي عن مسؤوليتها في استخدام القوة والانتهاكات المنسوبة إليها مع الاعتراف بحق بقية القوى اليمنية في المشاركة في تحديد مستقبل بلادها.

كذلك لا يمكن لأي تسوية أن تكون مستقرة إذا اقتصرت على تبادل الضمانات الأمنية بين الأطراف المسلحة دون معالجة الأزمات الاقتصادية والإنسانية التي تراكمت خلال سنوات الحرب.

فالسلام المستدام يحتاج إلى مؤسسات قادرة على العمل وترتيبات أمنية متفق عليها وضمانات للمشاركة السياسية وآليات للمساءلة وجبر الضرر قبل أن يحتاج إلى إعلان رسمي بانتهاء العمليات العسكرية.

 سلام يتجاوز منطق الغلبة:

تكشف الحرب في اليمن عن حقيقة تتكرر في كثير من صراعات المنطقة، قد تبدأ المواجهات بأهداف تبدو واضحة لأصحابها لكنها سرعان ما تتشعب وتنتج واقعاً أكثر تعقيداً من الحسابات التي سبقتها.

فالسعودية تبحث عن حدود آمنة وجوار مستقر والحوثيون يسعون إلى تثبيت موقعهم السياسي والعسكري، بينما تتطلع القوى اليمنية الأخرى إلى ضمان حضورها في مستقبل الدولة، وبين هذه المصالح المتباينة يبقى الشعب اليمني صاحب المصلحة الأعمق في إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار.

ولعل الدرس الأبرز من هذه التجربة هو أن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها كما أن السيادة لا تكتمل بمجرد رفع شعاراتها وأن الشرعية السياسية لا تستقر ما لم تقترن بمؤسسات فاعلة وقبول مجتمعي واسع.

فلا يمكن بناء سلام دائم على هزيمة طرف وإقصاء آخر ولا يمكن اختزال مستقبل وطن كامل في حسابات القوى المتصارعة عليه.

وحين يصبح الحفاظ على حياة الإنسان وكرامته معياراً لنجاح التسويات لا مجرد بند ثانوي في المفاوضات، يمكن عندها أن يبدأ اليمن بالخروج من دائرة الحرب إلى أفق الدولة والاستقرار.

*باحثة لبنانية في مركز الدراسات الآسيوية والصينية – بيروت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *