بقلم عميره هاس – صحافية إسرائيلية –
• تعيش السلطة الفلسطينية وسكانها حالة خنق اقتصادي ناتجة مباشرةً من قرارات متعمّدة من المستوى السياسي الإسرائيلي. تحتجز الدولة نحو 14 مليار شيكل من أموال الضرائب الفلسطينية (عائدات الجمارك على الواردات المخصصة للفلسطينيين)، بحجة أنها تُستخدم لدعم “الإرهاب”؛ وبينما تتراكم هذه الأموال في الخزينة الإسرائيلية، تضطر الحكومة في رام الله إلى اتخاذ مزيدٍ من إجراءات التقشف لمواجهة التدهور المستمر منذ نحو ثلاثة أعوام.
• يتراكم المبلغ المحتجز منذ سنة 2019، ويُضاف إليه شهرياً نحو 400 مليون شيكل. وقال قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، آفي بلوط، إنه حذّر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من أن عدم تحويل هذه الأموال يمكن أن يكون أحد أسباب التصعيد في الضفة الغربية. ومن العوامل الرئيسية الأُخرى للتدهور الاقتصادي حظر عمل الفلسطينيين في إسرائيل، على الرغم من أن جهات أمنية عديدة تدعم رفع هذا الحظر.
• استناداً إلى مكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بلغ عدد العمال الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل نحو 172 ألفاً، وكانوا يكسبون مجتمعين ما لا يقلّ عن مليار شيكل شهرياً؛ أمّا اليوم، فانخفض العدد إلى نحو 50 ألفاً فقط، ويملك 14 ألفاً منهم تصاريح عمل رسمية، بينما يعمل الآخرون في المستوطنات، أو يدخلون من دون تصاريح، هؤلاء يعرّضون أنفسهم، وبوَعي، لخطر فقدان حياتهم، أو الإصابة، سواء بسبب وجود أوامر مباشرة للجنود والشرطة بإطلاق النار عليهم، أو لأن الدخول يتطلب القفز فوق جدار الفصل. وتُظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أنه منذ نهاية سنة 2023 وحتى شباط/فبراير 2026، قُتل بهذه الطريقة 17 فلسطينياً وأصيب 262 آخرون.
• إن انقطاع العمل في إسرائيل ومصادرة الإيرادات من الاستيراد يخلقان تأثير”الدومينو” من الأضرار؛ لا تستطيع السلطة دفع رواتب نحو 170 ألف موظف لديها كاملةً، فضلاً عن عشرات الآلاف من المتقاعدين؛ إن هؤلاء، إلى جانب الفلسطينيين الذين كانوا يعملون سابقاً في إسرائيل، مضطرون إلى تقليص نفقاتهم على مختلف الخدمات، ولا يستطيعون سداد التزاماتهم، ويرزحون تحت ديون ضخمة، واستُنزفت حسابات التوفير لدى كثيرين بشكل فعلي. • كذلك يشهد النشاط في قطاعات البناء والتجارة والنقل والصناعة انكماشاً، ومعه تتراجع إيرادات السلطة من هذه القطاعات؛ ولا تبادر السلطة إلى إطلاق مشاريع تطوير؛ وارتفع عدد العاطلين من العمل في الضفة الغربية من نحو 129 ألفاً في سنة 2023 إلى نحو 290 ألفاً في نهاية سنة 2025، من أصل قوة عاملة تُقدَّر بنحو 1,01 مليون شخص.
• وتعمل أنظمة التعليم والصحة بشكل جزئي فقط، وهو ما ينعكس مباشرةً على تراجُع جودة الرعاية الطبية ومستوى التعليم؛ أمّا بيانات البطالة والفقر وتدمير قطاعَي الصحة والتعليم في قطاع غزة، والتي تدخل ضمن التقييم الإجمالي لوضع الاقتصاد الفلسطيني، فتتجاوز كل حساب تقليدي. • إن المصدر الرئيسي المتبقي للسلطة لتمويل نفقاتها هو الضرائب والرسوم التي تجبيها من سكان المناطق المصنفة A وB الخاضعة لسيطرتها، وهي لا تشكل سوى نحو 32% من إجمالي إيراداتها. ومن أبرز نتائج سياسة الخنق هذه التأخر في دفع رواتب موظفي القطاع العام الفلسطيني، التي خُفِّضت أيضاً بنسبة تتراوح بين 20% و50%. وفي الأسبوع الماضي، اتّخذ قرار مفاده بأن يتقاضى جميع الموظفين، بمن فيهم عناصر الأجهزة الأمنية، راتباً موحداً، بحدٍّ أدنى قدره 2000 شيكل فقط.
• أمّا سكان القرى الذين وجدوا أنفسهم عاطلين من العمل، فيستغلون وقتهم في العمل الزراعي واستصلاح أراضيهم، لكن المستوطنين في بؤر استيطانية آخذة في التوسع يمنعون الفلسطينيين في مناطق كثيرة من الضفة الغربية من الوصول إلى أراضي الرعي والحقول والكروم الخاصة بهم؛ كذلك تواصل إسرائيل منع آلاف المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الواقعة بين الجدار الفاصل والخط الأخضر. لذلك، لا يستطيع قطاع الزراعة الفلسطيني تحقيق إمكاناته في التخفيف من التدهور الاقتصادي؛ وهناك نحو ألف حاجز وعائق وبوابة أقامها الجيش في أنحاء الضفة تساهم في إبطاء النشاط الاقتصادي وزيادة التكاليف في مختلف القطاعات.
• وتساهم دول غربية عديدة في تمويل ورشات استشارية وتدريبية للسلطة الفلسطينية لتحسين وتطوير أساليب جباية الضرائب المحلية. وفي الوقت عينه، قررت حكومة محمد مصطفى منح موظفي القطاع العام تخفيضات على رسوم رخص المركبات والقيادة. وتتوقع موازنة الطوارئ الفلسطينية لسنة 2026، والتي أُقرّت في نهاية آذار/مارس، أن تبلغ الإيرادات التي تجبيها السلطة مباشرةً 5.16 مليار شيكل، في مقابل نفقات تصل إلى 17 مليار شيكل. وبما أن الافتراض هو أن إسرائيل لن تتراجع عن سياسة حجز الإيرادات، فإن العجز الحقيقي المتوقع هذا العام يبلغ 11.9 مليار شيكل، وفقاً للتحديث الاقتصادي الذي نشره معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني في مارس.
• إحدى وسائل تعامُل السلطة مع الأزمة هي ما يُعرف بـ”ترحيل الأزمات”، بحسب تعريف الخبير الاقتصادي مؤيَد عفانة، المستشار في وزارة المالية في رام الله. فمن شهر إلى آخر، ومن سنة إلى أُخرى، تقوم السلطة بتدوير ديونها، فتستعين بطرفٍ لتسديد جزء من ديونها لطرفٍ آخر يحتاج إلى المال بشكل عاجل. وبحلول نهاية سنة 2025، بلغت ديونها نحو 50 مليار شيكل، موزعة على بنوك فلسطينية ودولية، وصندوق التقاعد العام، ومورّدين ومقاولين. ووفقاً لعفانة، فإن نحو 8 مليارات شيكل من هذه الديون مستحقة لموظفي القطاع العام.
• إن الأموال الفلسطينية التي تُجبيها إسرائيل وتتحكم فيها مباشرة تُعرف باسم “أموال المقاصة”، وهي تتكوّن من الرسوم الجمركية على السلع المستوردة من الخارج والمخصصة للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ والضرائب على منتوجات، مثل الوقود والأسمنت والسجائر التي تشتريها السلطة الفلسطينية من إسرائيل؛ وكذلك ضريبة الدخل التي تُجبى من العمال الفلسطينيين الذين تتجاوز أجورهم الحد الأدنى للأجور في إسرائيل؛ منذ إنشاء السلطة الفلسطينية، تخصم إسرائيل مباشرةً من هذه الأموال تكاليف التزويد بالمياه والكهرباء، والعلاج الطبي للفلسطينيين الذين يُحالون إلى مستشفيات داخل إسرائيل، فضلاً عن عمولات على عملية الجباية نفسها؛ أمّا المبلغ المتبقي، فكان يُحوَّل شهرياً إلى وزارة المالية الفلسطينية. هذا، وتطورت سياسة الحجز الإسرائيلية عبر ثلاث مراحل:
• المرحلة الأولى: أُقرّت كقانونٍ في الكنيست في تموز/يوليو 2018، وبدأ تنفيذها في سنة 2019. وينص القانون على مصادرة مبلغ يعادل ما تدفعه السلطة الفلسطينية للأسرى الأمنيين وعائلاتهم وعائلات القتلى الفلسطينيين، بحجة أن هذه المدفوعات تشجع الهجمات ضد الإسرائيليين، وبلغ هذا المبلغ، وفقاً لعفانة، نحو 50 مليون شيكل شهرياً. ومنذ العام الماضي، انخفضت هذه المبالغ، بعد أن أصدر الرئيس محمود عباس تعليمات بتقليصها بشكل ملحوظ.
• المرحلة الثانية: في تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندما قرّر المجلس الوزاري الإسرائيلي (الكابينيت) حجز مبلغ شهري يعادل ما تخصصه السلطة من ميزانيتها لقطاع غزة، أي نحو 275 مليون شيكل تُخصَّص، في معظمها، لرواتب ومخصصات موظفي القطاع العام الذين توقفوا عن العمل منذ سنة 2007 – بقرار من عباس – بعد فوز “حماس” في الانتخابات وسيطرتها على الأجهزة الأمنية في القطاع. كان عباس يأمل بأن يؤدي تعطيل مؤسسات الحكومة والشرطة والقضاء إلى إسقاط “حماس” ، لكن حدث العكس، إذ ملأت الحركة الوظائف الشاغرة بأنصارها، وبشباب يبحثون عن عمل.
• شكّلت هذه الرواتب في فترة الحصار الإسرائيلي طوق نجاة لكثيرين، لكن خلال الحرب الحالية في غزة، حيث أصبح معظم السكان بلا مأوى وعاطلين من العمل، ومع نقص الغذاء، أو ارتفاع أسعاره، لم تعُد هذه الرواتب كافية لإعالة العائلات، وإن كانت تخفف قليلاً من صعوبة البقاء، وعلى الرغم من أن هذه العائلات غالباً ما تعارض “حماس” وترتبط بحركة “فتح”، فإن إسرائيل تعتبر هذه الأموال دعماً للبنية المدنية والعسكرية لـ”حماس”، في إطار رؤيتها لسكان غزة، باعتبارهم “متورطين”.
• المرحلة الثالثة: بدأت في أيار/مايو 2025، عندما قرّر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش حجز جميع الأموال المتبقية بعد مختلف الاقتطاعات. وفي بيان نشره الأسبوع الماضي بشأن الحجز الذي تم في نيسان/أبريل، كرّر سموتريتش أن القرار جاء احتجاجاً على “نشاطات السلطة الفلسطينية ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية (مثل المحكمة في لاهاي)، وعلى دعمها ’الإرهاب’.” فتم تحويل جزء من الأموال المصادَرة كتعويض لعائلات إسرائيلية تضررت من هجمات فلسطينية.
• إن مئات الملايين من الشواكل التي وعدت بها 12 دولة كتبرعات للسلطة لا يمكنها تغطية العجز الضخم. وفي لقاءٍ عُقد الأسبوع الماضي مع ممثل الاتحاد الأوروبي، طلب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى من أوروبا إظهار دعمها للفلسطينيين، وأن تطالب بالإفراج عن الأموال المحتجزة؛ ووصف عفانة ردّات الفعل الأوروبية على مصادرة الأموال بأنها “خجولة”، في حين قال دبلوماسي أوروبي لصحيفة “هآرتس”، تعليقاً على موقف أوروبا من الوضع: “نحن لا أهمية لنا، وهذا أسوأ من الصمت؛ نحن نشهد إبادة جماعية، ونواصل التعامل مع هذه الحكومة؛ السياسيون يغردون ويشعرون بتحسُّن، لكنهم يفعلون أقل.” من جهة أُخرى، لم تردّ المتحدثة باسم وزارة المالية، ولا المتحدث باسم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، على أسئلة صحيفة “هآرتس”.
المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية
