بقلم دافنا ليئال – محللة إسرائيلية – • قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات، يشير كلّ استطلاع للرأي إلى نتيجة مختلفة، وشركات استطلاعات الرأي نفسها متقلبة، وتتغيّر نتائجها بصورة ملحوظة إلى حدٍّ كبير؛ يعيش النظام السياسي من استطلاع إلى آخر، وتُتخذ القرارات بناءً على هذه الاستطلاعات، لكن هذه المرة، يجدر التعامل مع الأرقام بحذر شديد على نحو خاص. والسبب ليس أن القائمين على استطلاعات الرأي يفتقرون إلى المهنية؛ فالاستطلاع أداة مهمة جداً لقياس المزاج العام، لكن الاستطلاع يقيس ما يقول الشخص إنه سيفعله في اللحظة التي يُسأل فيها؛ أمّا الانتخابات، فتقيس شيئاً مختلفاً: ما فعله فعلاً، بعد كلّ الأحداث والضغوط والترددات والقرارات الحاسمة التي شهدتها الأيام الأخيرة.• هناك عوامل عديدة في الحملة الانتخابية لسنة 2026 لا تزال قادرة على تغيير المشهد بصورة جذرية:• هل ستتجه أعداد كبيرة من الناخبين إلى الأحزاب الكبرى؟• يدور الحديث حول ظاهرة حملة استقطاب الناخبين التي نسمع عنها كلّ مرة في اللحظات الأخيرة التي تسبق الانتخابات، وأبرز مثال لذلك انتخابات سنة 2015؛ فقبل أربعة أيام من الانتخابات، منحت استطلاعات الرأي الرئيسية “المعسكر الصهيوني” أفضلية واضحة، بفارق يتراوح ما بين ثلاثة وأربعة مقاعد لمصلحة يتسحاق هرتسوغ وتسيبي ليفني، لكن النتيجة الفعلية كانت شبه معاكسة: حصل حزب الليكود على 30 مقعداً، بينما حصل “المعسكر الصهيوني” على 24 مقعداً.• ربما كذب بعض الأشخاص على القائمين على الاستطلاعات، لكن التفسير الأكثر ترجيحاً هو حدوث تحوُّل متأخر داخل معسكر اليمين؛ إذ انتقل ناخبون من حزب “البيت اليهودي” وأحزاب أُخرى إلى الليكود في اللحظة الأخيرة، رغبةً منهم في ضمان أن يكون الليكود الحزب الأكبر، فضلاً عن أسباب أُخرى.• بعد أربعة أعوام، في نيسان/أبريل 2019، شهدنا مثالاً آخر للظاهرة نفسها؛ ففي الأيام الفاصلة بين آخر استطلاعات الرأي والانتخابات، تعززت قوة الحزبين الكبيرين بصورة حادة، ووفقاً لتحليلٍ نُشر لاحقاً، أضاف الليكود نحو 7 مقاعد، مقارنةً بنتائج الاستطلاعات الأخيرة، بينما أضاف حزب “أزرق أبيض” نحو 5 مقاعد. وأنهى الحزبان الانتخابات بحصول كلٍّ منهما على 35 مقعداً؛ فمن أين جاءت هذه المقاعد؟ إلى حدٍّ كبير، من الأحزاب الصغيرة داخل المعسكرين نفسيهما.• مَن سيتمكن من تجاوُز نسبة الحسم؟• في هذه المعركة الانتخابية، يحصل عدد من الأحزاب في الاستطلاعات على ما بين4 و 6 مقاعد، مثل حزب يارون زيليخا ويوعاز هندل، وحزب عوفر فينتر، وحتى حزب بتسلئيل سموتريتش والقائمة العربية الموحدة “راعم” في السيناريو المتشائم. لكن يجب أن نتذكر أن حزب “اليمين الجديد”، بقيادة نفتالي بينت وأييلت شاكيد، حصل على 6 مقاعد في استطلاعات الرأي، لكن انتهى به الأمر خارج الكنيست [في انتخابات سنة 2019]، وكان الفارق ضئيلاً للغاية؛ إذ تبيّن، وفقاً لعملية فرز الأصوات التي نُشرت بعد الانتخابات، أن الحزب كان ينقصه نحو 1461 صوتاً فقط لتجاوُز نسبة الحسم.• هذه النقطة محورية لفهم استطلاعات الرأي: فحتى لو نجح أحد الاستطلاعات في قياس قوة حزب بدقة شبه كاملة، مثل تقدير نسبة تأييده بـ3.2% ، بدلاً من 3.3%، فإن الفارق عند تحويل الأصوات إلى مقاعد لا يقتصر على عُشر نقطة مئوية، وبما يعني ذلك حصول الحزب على أربعة مقاعد في مقابل صفر، وهو ما يمكن أن يؤثر أيضاً في توزيع مقاعد جميع الأحزاب الأُخرى.• ولعل انتخابات سنة2022 أفضل مثال لذلك، لقد أظهرت استطلاعات الرأي منافسة متقاربة للغاية بين المعسكرين، وكانت دقيقة فعلاً، من حيث عدد الأصوات، إذ كان مجموع الأصوات التي حصل عليها المعسكران متقارباً جداً، لكن النتيجة النهائية، من حيث توزيع المقاعد، لم تكن متقاربة إطلاقاً؛ حصل معسكر نتنياهو على 64 مقعداً، بعد أن حصل حزب ميرتس على 3.2% من الأصوات، وحزب بلد على 2.9%، وهو ما أدى إلى ضياع نحو 300 ألف صوت؛ هذه ربما أهم نقطة لفهم الانتخابات الحالية: يمكن قياس توجهات الجمهور بدقة، ومع ذلك، الوقوع في خطأ كبير عند تقدير توزيع المقاعد في الكنيست.• نسبة المشاركة في التصويت• تُعَد نسبة المشاركة في الانتخابات عاملاً حاسماً من الصعب التنبؤ به؛ فمن بين جميع الأسئلة التي تُطرَح في استطلاعات الرأي، يُعتبر هذا الموضوع الأصعب، من حيث التوقع؛ فهناك أشخاص يقولون إنهم سيذهبون للتصويت، لكنهم يبقون في منازلهم في نهاية المطاف، والعكس صحيح، وهذه المسألة حاسمة: كم عدد الأشخاص الذين سيصوتون، وأين؟ إذ تؤثر نسبة المشاركة في قيمة المقعد البرلماني، وفي نسبة الحسم، وهذه المرة، يصعب التنبؤ بها على نحو خاص، لأسباب عديدة.• إن إحدى المسائل الرئيسية: أولاً، المجتمع العربي، وهو أحد أهم العوامل التي ستحدد النتيجة، فإذا ارتفعت نسبة التصويت في المجتمع العربي، فسيكون لذلك تأثير في الخريطة السياسية بأكملها.• فمن جهة، كانت الأعوام الماضية “كابوسية” بالنسبة إلى المجتمع العربي، ولا سيما بسبب الجريمة والعنف المتفشّي في الشوارع؛ ومن جهة أُخرى، لا توجد لديه حوافز قوية بما يكفي للمشاركة في التصويت، بل إن غادي أيزنكوت نفسه يضع شروطاً شبه مستحيلة أمام إقامة شراكة سياسية معه.• في سنة 2021، بلغت نسبة التصويت في البلدات العربية 44.6% فقط، بينما ارتفعت بصورة ملحوظة في سنة 2022 ووصلت إلى نحو 53.2%. فإذا خرج المجتمع العربي للتصويت بأعداد كبيرة، لن يتمكن أيٌّ من المعسكرين من الوصول إلى 61 مقعداً من دون القائمة العربية الموحدة “راعم”، وربما حتى بمشاركتها.• نسبة التصويت بين ناخبي الليكود• لا يقتصر السؤال على عدد الأشخاص الذين يقولون اليوم للقائمين على استطلاعات الرأي إنهم سيصوتون للّيكود، بل يتعلق أيضاً بعدد الذين سيبقون في منازلهم يوم الانتخابات؛ في الجولة الثانية من انتخابات سنة 2019، كانت نسبة المشاركة منخفضة للغاية في المدن التي يتمتع فيها الليكود بشعبية، وتمكّن المعسكر المناهض لنتنياهو، بما في ذلك القائمة المشتركة، من الحصول على 65 مقعداً.• فهل سيعاقب مؤيدو الليكود نتنياهو على الولاية الحكومية التي شهدت انقساماً اجتماعياً عميقاً وإخفاق السابع من أكتوبر و”المجزرة” التي وقعت في ذلك اليوم؟ أم أنهم سيعودون في اللحظة الأخيرة إلى التصويت للحزب الذي اعتادوا التصويت له منذ أعوام؟• الحريديم• يمثل المجتمع الحريدي أيضاً لغزاً كبيراً، ويكاد يكون من المستحيل التنبؤ بنسبة المشاركة المتوقعة في صفوفه؛ فمن جهة، يشعر الحريديم بخيبة أمل بسبب عدم حلّ قضية التجنيد في الجيش، ويواجهون مظاهر من الكراهية؛ ومن جهة أُخرى، فإن البديل السياسي يُقلقهم بشدة، لأن العامل الذي يجمع معسكر التغيير هو الرغبة في إحداث تغيير عميق واستثنائي في التعامل مع قضايا الحريديم، في مجالات التعليم والتجنيد والاقتصاد.• وتشهد هذه الانتخابات أيضاً ظهور أحزاب جديدة ربما يجد فيها الباحثون عن التصويت الاحتجاجي خياراً بديلاً من الأحزاب القائمة والمعروفة، التي يُعتبر بعضها فاسداً؛ وربما يؤدي كلّ حزب من هذه الأحزاب إلى ضياع آلاف الأصوات إذا لم يتمكن من تجاوُز نسبة الحسم.• وماذا عن الإسرائيليين الذين غادروا البلد؟• يصبح كل مقعد مهماً في حملة انتخابية يمكن أن تحسم فيها بضعة مقاعد فقط هوية المعسكر القادر على تأليف الحكومة، وتُظهر بيانات سلطة الضرائب أن نحو ربع مليون إسرائيلي غادروا البلد خلال الأعوام الأربعة الماضية، في حين عاد أقل من مئة ألف منهم، فما هي التركيبة الديموغرافية لهؤلاء المغادرين؟ وكم عدد الذين سيعودون للمشاركة في التصويت؟ لن نعرف الإجابة إلّا في يوم الانتخابات.• الرقم السحري لمعسكر التغيير• يضع معسكر التغيير هدفاً لنفسه، إذ يعتقد أن ارتفاع نسبة المشاركة في التصويت بين مؤيديه سيحسم الانتخابات لمصلحته، والرقم الذي يستهدفه هو مشاركة تتجاوز نسبة 76% في مناطق الشارون وتل أبيب وحيفا، ويأمل المعسكر أن تدفع رغبة مؤيديه في تغيير الحكومة إلى تحقيق هذه النسبة. وطبعاً، لا يزال هناك عدد غير قليل من الناخبين المترددين؛ ففي داخل معسكر نتنياهو، لم يحسم 2.6% من الناخبين قرارهم بعد؛ وفي داخل معسكر التغيير، تبلغ نسبة المترددين 1.9%؛ أمّا فئة “المترددين الآخرين”، أو الذين لم تُحدَّد توجهاتهم بعد، فتبلغ 4.2%.• وفي المجمل، لا يزال 10.3% من الناخبين مترددين، وتُعد هذه النسبة كبيرة جداً في انتخابات متقاربة إلى هذا الحد.• إن بعض الفوارق التي ترونها في استطلاعات الرأي ترجع إلى الطريقة التي تعتمدها كلّ شركة استطلاعات في تصنيف الناخبين المترددين وتوزيعهم على الأحزاب والمعسكرات.• بعبارة أُخرى، تتّسم استطلاعات الرأي بالتقلب، وليس من دون سبب؛ فما زال الجمهور الإسرائيلي متردداً، ومن المرجّح أنه لن يحسم قراره بشأن الذهاب إلى صندوق الاقتراع والحزب الذي سيصوّت له إلّا في اللحظة الحاسمة، في يوم 27 أكتوبر 2026. المصدر: قناة N12 الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية Views: 13 تصفّح المقالات هآرتس: الإسرائيليون، في معظمهم، متورطون في اعتداءات المستوطنين يديعوت أحرونوت: الخطاب الذي يتعيّن على أيزنكوت أن يلقيه