نتنياهو وبن غفير قائدا التطرف القومي والديني الصهيونيين
بقلم ميخائيل ميلشتاين – محلل سياسي إسرائيلي –
• إن انقشاع غبار الحرب في إيران ولبنان يتيح فحصاً أوضح لِما تحقّق فعلياً من الوعود بتغيير وجه الشرق الأوسط، التي طُرحت في إسرائيل منذ 7 أكتوبر، وبشكل أكبر خلال حرب “زئير الأسد”؛ صحيح أن جميع أعداء إسرائيل تلقّوا ضربة غير مسبوقة، وأن الواقع الأمني تحسّن، مقارنةً بما كان عليه قبل عامين ونصف العام، لكن لم يُقضَ على أيّ من أعدائها الثلاثة الرئيسيين، إيران وحزب الله و”حماس”، حسبما توحي فكرة “النصر المطلق”، كذلك لم يتلاشَ محور “المقاومة” وفكرته.
• هذا شرق أوسط “جديد – قديم”؛ في سورية، سقط حكم بشار الأسد، لكن خليفته ليس صديقاً لإسرائيل؛ تركيا تعزّز مكانتها الإقليمية وتطرح تحدياً كبيراً أمام إسرائيل، والعالم العربي لا يسارع إلى الارتماء في أحضانها على الرغم من الموقف المشترك في مواجهة التهديد الإيراني، بل على العكس، تُظهر الدول العربية قدراً من الشك إزاء عرض القوة الإسرائيلي، وتواصل التأكيد، ولا سيما السعودية، أن التطبيع لن يتحقق من دون النقاش بشأن القضية الفلسطينية، التي تواصل إسرائيل تجنُّبها بشكل يشبه ما كانت عليه الحال قبل 7 أكتوبر. • لقد أعادت حرب “زئير الأسد” إسرائيل إلى حجمها الحقيقي؛ فهي تمتلك قدرات وإنجازات عسكرية كبيرة، لكن تتكشف أيضاً حدود القوة، وعلى رأسها الاعتماد العميق على الولايات المتحدة، وبشكل أدق على دونالد ترامب (سواء في الدفع بالجهد العسكري، أو في تحديد توقيت وشكل إنهاء القتال. الآن، تتكرر سابقة غزة أيضاً في إيران ولبنان: وعد بنيامين نتنياهو بانتصارات مطلقة، وشبّه الصراعات بالحرب العالمية الثانية، وصوّر العدو على أنه نازي يجب القضاء عليه، وسعى لإدارة المعارك من دون حدٍّ زمني، لكن دونالد ترامب فرض إنهاء القتال وحدّد ترتيبات بقيَ العدو في إطارها قوةً مهيمنة. • إسرائيل ليست إسبرطة، ولا “بوباي” الشرق الأوسط الكليّ القدرة؛ هذا الأمر تبيّن مع نهاية الحرب في غزة (التي فُرضت عقب الهجوم الفاشل في قطر)، ومع طيّ وهم إفراغ غزة من الفلسطينيين وإقامة “ريفييرا” متوسطية، والآن أيضاً، مع العجز عن نزع سلاح حزب الله، أو تغيير النظام في طهران (إلى جانب الالتزام بضمان تحييد البرنامج النووي). إن الرؤية والجرأة والحيلة هي مبادئ أساسية في المشروع الصهيوني، لكن عندما تُدار بدافع الأوهام، فإنها تُحدث أضراراً جسيمة. على إسرائيل أن تفهم أن صورتها، في نظر معظم العالم، ليست “داود المتمرّد والعادل”، بل عبارة عن عملاق قوي يضرب باستمرار، وفي كل مكان، بينما تتصاعد الشكوك في حكمته وقيَمه الأخلاقية (وخصوصاً في ضوء ما يجري في الضفة الغربية).
الشعور الجماعي بالمرارة
• إن الشعور الجماعي بالمرارة لا ينبع من النتائج العسكرية، إذ حققت إسرائيل في كل الساحات انتصارات لافتة، مع إظهار تفوّق تكنولوجي واستخباراتي، لكنه ينشأ من الفجوة الحادة بين الوعود والشعارات والأوهام وبين الواقع الفعلي، إلى جانب استخدام صنّاع القرار المفرط لمصطلحات “مطلقة” (وخصوصاً العسكرية منها)، مثل الحسم و”قطع الرأس”، أو العدّ المستمر لتفكيك الوحدات وتدمير الأسلحة، وهي مفاهيم تلائم الحروب التقليدية، لا الصراعات الراهنة. هذه الفجوة تعكس ضعف اختبار الواقع وعدم الفهم العميق لطبيعة العدو، وتُبرز ثمن الاستخفاف بالحاجة إلى استراتيجيا و”ذراع سياسية”. كان يمكن لحوار مباشر وواقعي بين القيادة والجمهور منع تضخّم التوقعات.
• إن الحنين إلى إسرائيل “القديمة” لا يتعلق فقط بتقليل الانقسامات الداخلية، بل أيضاً بالقيادات، مثل ليفي أشكول “الباهت والمتلعثم” الذي عرف كيف يشرح، بعد انتصار حرب الأيام الستة، حين كانت إسرائيل في نشوة، أن “العروس رائعة، لكن المهر إشكالي.”
وفي هذا السياق، يتضح أن صنّاع القرار الذين يقدّمون أنفسهم كواقعيين ومصحّحي “مفهوم 7 أكتوبر”، والذين يفاخرون بأنهم “يفهمون كيف يفكر العرب”، ويرفعون شعار “سنعيش بالسيف إلى الأبد”، هم أنفسهم الذين يروّجون أوهاماً على غرار “النصر المطلق”، ويتمسكون بالإيمان بإمكان هندسة الوعي ونزع التطرف واقتلاع الأيديولوجيات عبر الاقتصاد (وهي من جذور مفهوم 7 أكتوبر)، على غرار مشروع مؤسسة “غزة الإنسانية” الفاشل الذي يُحاولون طمسه. من المُحبِط، لكن من الضروري التذكير بأن مَن يصرّ على عدم التحقيق في إخفاقات الماضي، يعيد إنتاجها في كل خطوة، ويُحدث أضراراً جديدة لا يتم التحقيق فيها أيضاً، في ظل ثقافة مختلّة ترسّخت منذ 7 أكتوبر وتعفي صنّاع القرار من عرض أخطائهم وتحمُّل المسؤولية.
• إذاً، متى قررت قيادة مستقبلية إجراء تحقيق عميق في الحرب وفي جذور إخفاق 7 أكتوبر (وربما الشروع في بلورة مفهوم أمني قومي محدّث)، فمن المستحسن أن تضع أمامها عدة استنتاجات: في الواقع الحالي، لا يمكن القضاء على الأعداء نهائياً، أو الحسم معهم، وأن المواجهة معهم عبارة عن مسار طويل؛ وأنه لا يمكن تحقيق إنجاز عسكري استراتيجي من دون ذراع سياسية؛ وأن رعاية حلفاء بعيدين، أو مجموعات هامشية في المنطقة، ليست بديلاً من علاقات وثيقة بالجيران القريبين؛ وأن السيطرة على الأرض وحدها ليست مفتاحاً لأمنٍ طويل الأمد؛ وأنه لا يمكن الهروب من نقاش حاسم واتخاذ قرارات بشأن القضية الفلسطينية.
• وأخيراً، هناك حاجة أيضاً إلى نظرة داخلية صريحة؛ فالمعركة الجارية منذ 7 أكتوبر تُعد من أنجح المعارك عسكرياً، لكنها مُحزنة على مستوى الخطاب داخل إسرائيل، الذي يتسم بالسطحية، وبخضوعٍ غير مسبوقٍ للحجج والأفعال، لاعتبارات سياسية، وبإدمان جماعي على الأوهام (بعضها ذو طابع مسياني)، وبقمع النقد والتفكير المركّب بذريعة عدم الوطنية، أو عدم فهم “حجم المعجزة”. إن الحنين إلى إسرائيل القديمة لا يتعلق فقط بانقسامات أقل، بل أيضاً بقيادات، مثل ليفي أشكول الذي قال بعد حرب الأيام الستة، حين كان البلد في نشوة، إن “العروس رائعة، لكن المهر إشكالي”. بعد عامين ونصف العام من حرب قاسية، آن الأوان لاستيعاب أن الحقائق المعقّدة أفضل من الخطاب المتفاخر المشبع بالأوهام.
المصدر: صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية
