صافح الرئيس ترامب الرئيس الصيني شي جين بينغ قبل قمتهما في كوريا الجنوبية اليوم. الصورة: إيفلين هوكشتاين/رويترز
خاص شؤون آسيوية – واشنطن: هبة القدسي –
تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين في منتصف مايو، في لحظة دولية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع ثلاث مسارات ضاغطة: حرب مستمرة مع إيران تُربك أسواق الطاقة، وتصاعد تنافسي حاد مع بكين، ومحاولة داخلية لإعادة صياغة صورة القيادة الأميركية قبل الاستحقاقات الانتخابية التشريعية المقبلة في نوفمبر من العام الجاري.
وبينما يُنظر إلى الزيارة باعتبارها محطة لإعادة ضبط العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، فإنها تحمل في طياتها رهانات تتجاوز التجارة إلى الأمن والاستقرار العالمي. وتقف القمة المرتقبة امام اختبار محسوب لإدارة التنافس الاستراتيجي ومنع انزلاقه الي مواجهة مفتوحة.
من الحرب التجارية إلى الاستقرار الحذر
الزيارة المرتقبة هي الثانية لترمب إلى بكين بعد زيارته الأولى عام 2017، والتي حظي فيها ترامب باستقبال احتفالي استثنائي. لكن تغيرت معالم العلاقة بشكل جذري بعد ذلك من التعاون الاقتصادي الي المنافسة الحادة في التجارة والتكنولوجيا والنفوذ على المسرح الدولي، وأدى ذلك الي حرب تجارية أميركية غير مسبوقة مع الصين، وتدهور العلاقات إلى أدنى مستوياتها. واليوم، يدخل الطرفان هذه الجولة في ظل ما تصفه تقارير أميركية وصينية بـ«الاستقرار الهش»، بعد عام مضطرب من الولاية الثانية لترامب.
وترى دوائر بحثية في واشنطن، مثل مجلس العلاقات الخارجية، أن الإدارة الأميركية تسعى إلى تحقيق «توازن مزدوج»: الحفاظ على الضغط الاستراتيجي على الصين، مع فتح قنوات تعاون محدودة في ملفات الاقتصاد والطاقة.
أهداف واشنطن
بحسب مسؤولين في البيت الأبيض، فإن أجندة ترامب في بكين تتركز على ثلاثة أهداف رئيسية: الأول هو تحقيق اختراق اقتصادي حيث تسعى الإدارة الأميركية إلى إبرام صفقات تجارية تعزز الصادرات الأميركية، خاصة في مجالات الطاقة والزراعة. ويقول الخبير الاقتصادي الأميركي سكوت كينيدي إن ترامب “ينظر إلى الزيارة كفرصة لإعلان انتصار اقتصادي سريع يمكن تسويقه داخلياً، حتى لو كان محدود الأثر استراتيجياً”.
الهدف الثاني هو إدارة التنافس التكنولوجي حيث تتصدر قضية القيود على التكنولوجيا، خاصة أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، جدول الأعمال. وتضغط بكين لتخفيف القيود الأميركية، فيما ترى واشنطن أن هذه الملفات تمثل جوهر الصراع الاستراتيجي.
الهدف الثالث هو احتواء تداعيات حرب إيران، ففي ظل استمرار الحرب، تبحث واشنطن عن دور صيني محتمل في تهدئة التصعيد، أو على الأقل ضمان عدم انحياز بكين الكامل إلى طهران. وكان ترامب قد ألمح إلى أن الصين لعبت دوراً في دفع إيران إلى طاولة التفاوض، وهو ما لم تؤكده بكين رسمياً.
العصا والجزرة الصينية
من جانبها، تدخل بكين القمة برؤية أكثر وضوحاً، باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت العلاقة على أسس أكثر استقراراً تستهدف تقليل الضغوط الأميركية حيث يسعى الرئيس شي جين بينغ إلى تحقيق ثلاثة مكاسب رئيسية: الأول هو تخفيف القيود الأميركية على التكنولوجيا والاستثمار، والثاني هو تثبيت موقف واشنطن من قضية تايوان. أما الهدف الثالث فهو توسيع التعاون الاقتصادي بشروط أكثر توازناً.
ويقول الخبير في شؤون الصين رايان هاس في معهد بروكنغز إن “بكين تعتمد استراتيجية مزدوجة: استخدام أدوات الضغط مثل القيود على المعادن النادرة، في مقابل تقديم حوافز اقتصادية لترامب الذي يبحث عن إنجاز سريع”. ويضيف “وفي المقابل، لم تعد واشنطن تسعى لتغيير سلوك الصين بالكامل بل واضع حدود واضحة لمنافسة بحيث لا تتحول الي صراع مباشر”.
إيران وأسعار النفط
وتلقي الحرب مع إيران بظلال ثقيلة على القمة، خاصة مع اضطراب إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط. وتشير تقديرات اقتصادية أميركية إلى أن استمرار الأزمة قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود.
وفي هذا السياق، ترى الباحثة إليزابيث إيكونومي الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية CFR أن ترامب سيحاول اختبار مدى استعداد الصين لاستخدام نفوذها لدى إيران، لكن بكين ليست في وارد تقديم تنازلات مجانية، خاصة أنها استفادت نسبياً من ارتفاع أسعار الطاقة. وتوضح أن الصين، التي تُعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، تجد نفسها في موقع معقد: فهي لا ترغب في انهيار العلاقات مع واشنطن، لكنها في الوقت ذاته ترفض الضغوط الأميركية على شركائها الاقتصاديين.
فجوة الثقة وغياب الرؤية المشتركة
ووفق الخبراء والمحللين، فإن القمة تواجه تحديات عميقة برغم الزخم السياسي، فهناك غياب كبير للثقة بين البلدين بعد سنوات من التصعيد التجاري والتكنولوجي، كما تواجه تضارب الأولويات بين التركيز الأميركي على الأمن، والنهج الصيني القائم على الاقتصاد، إضافة الي المواقف المتباينة والمختلفة حول تداعيات الحرب ضد ايران على حسابات الطرفين.
ويحذر الخبراء في معهد “كارنيغي” من أن القمة قد تنجح في إدارة التوتر، لكنها لن تحل الخلافات البنيوية التي تحكم العلاقة بين القوتين.
ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه الزيارة هو “إدارة التنافس” وليس إنهاءه. فالقضايا الكبرى، من تايوان إلى التكنولوجيا، تتجاوز قدرة قمة واحدة على حلّها.
ومع ذلك، يقول المحللون إن ترامب يراهن على تحقيق إنجازات جزئية، سواء عبر صفقات اقتصادية أو تفاهمات محدودة، يمكن تقديمها للرأي العام الأميركي كدليل على نجاح سياسته.
وفي المقابل، تراهن بكين على استثمار الزيارة لتعزيز موقعها التفاوضي، خاصة في ظل انشغال واشنطن بأزمات متعددة. وبالتالي يمكن تحقيق توازن رابح – رابح WIN- WIN بين الجانبين.
وتنظر الأروقة السياسية في واشنطن إلى القمة باعتبارها اختباراً لقدرة واشنطن على تحقيق مكاسب في بيئة دولية معقدة، واختباراً لمدى استعداد بكين للانخراط في تفاهمات جديدة من دون التفريط بمصالحها الاستراتيجية. وبين ضغوط الحرب مع إيران، وتصاعد المنافسة الاقتصادية، تبدو القمة أقرب إلى محاولة “تنظيم الخلاف” بدلاً من حلّه، وهي وفق المحللين خطوة ضرورية، لكنها قد لا تكون كافية لضمان استقرار طويل الأمد في العلاقات بين القوتين الأكبر في العالم.
