شؤون آسيوية – خاص –
بعد نحو عشرة أعوام من الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، أنهت الولايات المتحدة في فبراير 2026 تواجدها في قاعدة التنف الاستراتيجية، الواقعة عند مثلث الحدود السورية ـ العراقية ـ الأردنية، وسلّمتها رسمياً إلى القوات المسلحة السورية بعد تنسيق بين الجانبين.
يأتي هذا التطور في سياق تغيّرات ميدانية وسياسية واسعة في سوريا والمنطقة، ويضع نهاية لمرحلة من الوجود العسكري الأمريكي المرتبط بمحاربة تنظيم داعش والمراقبة الحدودية.
التأسيس والدور التاريخي لقاعدة التنف
أنشأت الولايات المتحدة قاعدة التنف عام 2014 ضمن جهود التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وكانت موقعاً متقدماً للقوات الأمريكية وقوات التحالف لعرقلة تقدم التنظيم، وتدريب مجموعات من المعارضة، ومراقبة الممرات الحدودية الاستراتيجية بين سوريا والعراق والأردن، وأُحيطت القاعدة بمنطقة عازلة امتدت لنحو 55 كيلومتراً
إعلان الانسحاب الأمريكي وإكماله
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن القوات الأمريكية أكملت انسحابها المنظّم من قاعدة التنف في 11 فبراير 2026، في إطار عملية انتقال مدروسة نفّذتها قوة المهام المشتركة ضمن عملية “العزم الصلب”.
وفي بيان رسمي قال قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر إن القوات الأمريكية ستبقى قادرة على الرد على أي تهديدات قد يشكلها تنظيم داعش في المنطقة، مع استمرار دعم الجهود التي تقودها القوات الشريكة لمنع عودة التنظيم، كما أكدت القيادة أن عمليات المشورة والدعم مستمرة منذ عام 2014 في إطار الحرب على التنظيم.
تسليم القاعدة إلى الجيش السوري
أعلنت وزارة الدفاع السورية أن وحدات من الجيش السوري تسلّمت قاعدة التنف عقب انسحاب القوات الأمريكية، وقامت بتأمين محيطها بالكامل بعد تنسيق بين الجانبين.
وأفادت مصادر رسمية بأن الجيش السوري بدأ الانتشار على امتداد الحدود السورية ـ العراقية ـ الأردنية في منطقة بادية التنف، في حين أشارت تقارير إلى أن القوات الأمريكية انسحبت باتجاه الأراضي الأردنية، بعد بدء العملية قبل نحو أسبوعين من الإعلان الرسمي.
سياق الانسحاب والوجود الأمريكي الأوسع في سوريا
جاء انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة التنف في ظل تغيّرات ميدانية وسياسية تشهدها سوريا، شملت إعادة ترتيب السيطرة في عدد من المناطق.
وتشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة بدأت منذ عام 2025 تقليص مواقعها العسكرية في سوريا ودمج قواعدها، وانسحبت من مواقع أخرى في دير الزور ومناطق مختلفة، قبل أن تُنهي وجودها في قاعدة التنف.
تصريحات رسمية مرتبطة بالانسحاب
القيادة المركزية الأمريكية أكدت أن الانسحاب كان منظّماً ومدروساً وقائماً على شروط ميدانية، مع استمرار القدرة على مواجهة أي تهديدات إرهابية.
وفي المقابل، شددت وزارة الدفاع السورية في بيانها على أن تسلّم القاعدة جرى بعد تنسيق مباشر، وأن الجيش السوري أصبح المسؤول الكامل عن تأمين القاعدة ومحيطها.
تحوّلات النفوذ وإعادة رسم الخريطة الميدانية في البادية السورية
يرى متابعون للمشهد السوري أن خروج القوات التابعة للولايات المتحدة الأمريكية من قاعدة التنف لا يقتصر على كونه إجراءً عسكرياً تقنياً، بل يعكس تحوّلاً في أولويات الانتشار الخارجي بعد سنوات من الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، مقابل تركيز أكبر على إعادة التموضع وتقليص نقاط الاحتكاك المباشر في المنطقة.
وفي المقابل، يمنح تسلّم سوريا للقاعدة فرصة لتعزيز سيطرتها على أحد أهم الممرات الحدودية مع كل من العراق والأردن، بما يحمله ذلك من أبعاد أمنية واقتصادية، في وقت لا تزال فيه المنطقة عرضة لتحركات جماعات مسلحة وتوازنات إقليمية متغيرة قد تعيد رسم شكل النفوذ في البادية السورية خلال المرحلة المقبلة.
تحديات البادية بعد الانسحاب
تزامن انسحاب القوات من البادية مع استمرار المخاوف الأمنية المرتبطة بعودة نشاط خلايا تنظيم الدولة الإسلامية في مناطق متفرقة من الشرق السوري، مستفيدة من الفراغات الأمنية وصعوبة ضبط المساحات الصحراوية الواسعة.
وتبرز في هذا السياق أوضاع مخيم الهول في شمال شرقي سوريا، الذي يضم عشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين بعائلات عناصر التنظيم، وسط تحذيرات متكررة من تحوّله إلى بيئة خصبة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف عبر شبكات تجنيد سرية ومحاولات هروب متكررة.
ويُنظر إلى ملف المخيم بوصفه أحد أكثر التحديات تعقيداً في مرحلة ما بعد الانسحاب، لما يحمله من أبعاد إنسانية وأمنية متداخلة تهدد بإعادة إشعال بؤر التوتر في المنطقة.
وبهذا الانسحاب تُسدل الستارة على مرحلة امتدت قرابة عشرة أعوام من الوجود العسكري الأمريكي في قاعدة التنف، التي شكّلت إحدى أبرز نقاط النفوذ الأجنبي في البادية السورية.
ومع انتقال السيطرة إلى القوات السورية تدخل المنطقة واقعاً ميدانياً جديداً بعد سنوات من الصراع والتجاذبات الدولية، في وقت تبقى فيه تطورات المشهد السوري مرهونة بتوازنات داخلية وإقليمية متحركة، في ظل استمرار الملفات الأمنية والسياسية المفتوحة.

