شؤون آسيوية – ديما دعبول-
تتجه العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية إلى فصل جديد من المفاوضات النووية غير المباشرة في جنيف سويسرا، بعد جولة أولى جرت في مسقط الشهر الحالي.
وتُعد هذه المحادثات خطوة مهمة في محاولة إعادة إحياء الحوار الدبلوماسي حول البرنامج النووي الإيراني الذي تعتبره طهران حقاً سيادياً مشروعاً، بينما تطالب واشنطن برفع العقوبات ووقف بعض الأنشطة دون المساس بحق إيران في التخصيب السلمي.
الجولة الثانية في جنيف: ماذا ينتظر؟
الخارجية الإيرانية أعلنت أن وزير خارجيتها عباس عراقجي غادر طهران متوجهاً إلى جنيف لبدء الجولة الثانية من المحادثات النووية غير المباشرة مع الولايات المتحدة، بوساطة سلطنة عمان، ومن المتوقع أن تُعقد هذه المحادثات أواخر الأسبوع الجاري.
المحادثات ستشمل لقاءات مع مسؤولين أوروبيين ورؤساء منظمات دولية مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في محاولة لتثبيت أطر تفاوضية واضحة، وحسب بيان الخارجية الإيرانية فإن الجولة السابقة في مسقط كانت إيجابية ومنفتحة بالرغم من عدم التوصل إلى اتفاق نهائي.
موقف إيران من التخصيب ورفع العقوبات
نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي أوضح أن إيران مستعدة لتقديم تنازلات في المفاوضات بما يعكس مرونة حقيقية لإيجاد حل، لكن ذلك مشروط برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بشكل واضح وفاعل من قبل الولايات المتحدة.
وأكد أن الكرة باتت في ملعب واشنطن لإثبات جدية نيتها في التوصل إلى اتفاق.
من جانب آخر، أكدت طهران أنها لن تتخلى عن حقها في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، وأن مطالبة واشنطن بوقف التخصيب أو تخفيضه إلى الصفر تُعد شرطاً غير قابل للتفاوض في ظل الحفاظ على سيادتها وحقوقها بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي.
في السياق نفسه، أشارت تصريحات لمسؤولين إيرانيين إلى أن إيران مستعدة لمراجعة مستويات التخصيب أو التوصل إلى ترتيبات تقنية، مثل تخفيف مستوى اليورانيوم المخصّب، مقابل رفع العقوبات بما يخدم مصالح الشعب الإيراني ويخفّف العبء الاقتصادي.
الإطار الإيراني للمفاوضات: حقوق وسيادة
يحافظ الجانب الإيراني على خط واضح في رفض التنازلات التي تمس بحقوقه السيادية، مثل التخصيب أو إنشاء قيود صارمة على البرنامج النووي السلمي.
وتؤكد طهران أن البرنامج النووي الإيراني مُلتزم بالسلمية وأن الهدف من المفاوضات هو ضمان مصالح اقتصادية وسياسية متبادلة.
هذا الموقف يعكس إصرار إيران على مقاربة دبلوماسية تعتمد احترام الحقوق الثابتة للشعب الإيراني، ضمن شرط أن تكون المفاوضات منصفة ومنطقية وتحقق مصالح كلا الطرفين، وليس مجرد امتثال لإملاءات خارجية أحادية الجانب.
شروط تل أبيب التصعيدية:“اللاءات الثلاث”
في مواجهة مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، طرح بنيامين نتنياهو ما وصفه بـ “اللاءات الثلاث” كشرط لأي اتفاق محتمل مع طهران، مؤكداً أن تل أبيب لن تقبل إلا بإخراج كافة مخزونات اليورانيوم المخصّب من إيران ووقف التخصيب بشكل كامل، مع إزالة القدرة التقنية الإيرانية على العودة إلى التخصيب، إضافةً إلى ربط الاتفاق بقضايا الصواريخ الباليستية.
كما حدّد حداً أقصى لمداها بحيث لا يشكل تهديداً بحسب رؤيته، هذا الموقف يعكس رفضاً إسرائيلياً حاداً لأي تسوية لا تلغي القدرات النووية الإيرانية، وهو ما يضع كرة الضغط مجدداً في ملعب واشنطن والطرف الإيراني لإعادة صياغة طموحاتهما التفاوضية بما يتوافق مع مبادئ السيادة الإيرانية وحقوقها النووية.
تحديات ما قبل جنيف
رغم التحضيرات، تظل هناك اختلافات جوهرية بين طهران وواشنطن حول مسألة التخصيب، رفع العقوبات، وآليات التحقق الدولية، وهو ما يجعل الجولة الحالية في جنيف اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على تجاوز نقاط الخلاف التقليدية وإعادة بناء الثقة تدريجياً.
ورغم هذه التحديات، تظهر تصريحات المسؤولين الإيرانيين إرادة واضحة للاستمرار في الحوار من أجل التوصل إلى حل تفاوضي يضمن الحقوق والمصالح دون التنازل عن الثوابت الوطنية.
تأتي المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة في مرحلة حساسة، وسط ترقب دولي وإقليمي كبير.
ويُظهر الموقف الإيراني حرصاً على التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف يحقق رفع العقوبات الاقتصادية ويحافظ على حقوق طهران في برنامجها النووي السلمي.
الجولة الثانية في جنيف تمثل فرصة جديدة لانتظام المسار الدبلوماسي، في وقت تتعاظم فيه الحاجة إلى حل تفاوضي متوازن يخدم الاستقرار ويمكّن إيران من مواصلة مسارها التنموي والسيادي.

