شؤون آسيوية – ديما دعبول –
تواجه اليابان تحولاً ديموغرافياً غير مسبوق يتمثل في ارتفاع حاد في نسبة كبار السن مقابل تراجع مستمر في عدد المواليد.
هذا الواقع لا يغير شكل المجتمع فحسب، بل يفرض تحديات اقتصادية عميقة تطال سوق العمل، والإنفاق الحكومي، ومستقبل النمو، ويدفع السلطات إلى مراجعة سياسات طالما اتسمت بالتحفظ، وعلى رأسها الهجرة.
مجتمع يتقدم في العمر بوتيرة قياسية
بات ما يقارب ثلث سكان اليابان فوق سن الخامسة والستين، وهي أعلى نسبة بين الدول الكبرى سكانياً.
هذا التحول يعني تقلص فئة الشباب القادرين على العمل مقابل توسع سريع في فئة تحتاج إلى رعاية صحية مستمرة ودعم اجتماعي طويل الأمد.
ومع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، تتزايد أعباء التقاعد والضمان الصحي، ما يضغط بقوة على الميزانية العامة ويضع نموذج الدولة الاجتماعية أمام اختبار صعب.
سوق عمل يفرغ من شبابه
تراجع عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، في وقت ما تزال فيه الشركات بحاجة إلى أيدٍ عاملة للحفاظ على مستويات الإنتاج والخدمات.
هذا النقص لم يعد ظاهرة مؤقتة، بل أصبح مشكلة هيكلية تمس قطاعات واسعة مثل الصناعة، والبناء، والنقل، والرعاية الصحية، ما يهدد بتباطؤ اقتصادي طويل الأمد إذا لم تُعالج جذوره.
العمالة الأجنبية كخيار اضطراري لا مفر منه
في مواجهة هذا العجز، اتجهت اليابان بشكل متزايد إلى فتح أبوابها أمام العمال الأجانب، حيث بلغ عددهم مستويات قياسية في محاولة لسد الفجوة المتنامية في القوى العاملة.
ولم يعد الاستقدام يقتصر على الأعمال البسيطة أو المؤقتة، بل توسع ليشمل مهارات فنية ومهنية يحتاجها الاقتصاد بشكل ملح.
هذا التحول يعكس إدراكاً رسمياً متزايداً بأن الاعتماد على السكان المحليين وحدهم لم يعد كافياً لاستمرار عجلة الاقتصاد.
جدل داخلي بين الضرورة الاقتصادية والهوية الاجتماعية
رغم الحاجة الواضحة للعمالة الوافدة، تظل الهجرة موضوعاً حساساً في المجتمع الياباني.
فهناك مخاوف تتعلق بالتغير الثقافي، والاندماج الاجتماعي، والضغط على الخدمات العامة، ما غذّى خطاباً سياسياً متحفظاً أو رافضاً في بعض الأوساط.
هذا الجدل يضع الحكومة أمام تحدٍ مزدوج: تلبية متطلبات الاقتصاد من جهة، واحتواء القلق الشعبي من جهة أخرى، في معادلة يصعب تحقيق توازن مستقر فيها.
مستقبل سكاني يعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع
تشير التوقعات إلى أن عدد سكان اليابان سيواصل الانكماش خلال العقود المقبلة، مع توسع أكبر في نسبة كبار السن.
هذا المسار لا يؤثر فقط في حجم القوى العاملة، بل يغير أنماط الاستهلاك، ويقلص الطلب على الإسكان في بعض المناطق، ويزيد الحاجة إلى الخدمات الصحية والاجتماعية.
وبمرور الوقت، قد تعيد هذه التحولات رسم الخريطة الاقتصادية للبلاد وتغير دورها في الاقتصاد العالمي.
البحث عن حلول خارج المعادلة التقليدية
إلى جانب الاعتماد المتزايد على العمالة الأجنبية، تعمل اليابان على إعادة هيكلة سوق العمل بطرق متعددة، من خلال تشجيع الأتمتة واستخدام الروبوتات في المصانع والخدمات، ورفع معدلات مشاركة النساء وكبار السن القادرين على العمل.
كما اتجهت إلى استقدام مقدمي رعاية من دول مثل الهند للتخفيف من الضغط المتصاعد في قطاع رعاية المسنين، وهو من أكثر القطاعات تضرراً من الشيخوخة السكانية.
أزمة ديموغرافية ترسم ملامح اليابان القادمة
ما تمر به اليابان اليوم يتجاوز كونه مشكلة نقص مواليد أو شيخوخة طبيعية، بل هو تحول عميق يمس أسس الاقتصاد والمجتمع معاً.
فبين الحاجة الملحّة للعمالة، والجدل حول الهجرة، ومحاولات التكيف عبر التكنولوجيا وإصلاح سوق العمل، تبدو البلاد في مرحلة إعادة تعريف شاملة لنموذجها الاجتماعي والاقتصادي.
وفي ظل استمرار الاتجاهات السكانية الحالية، من المرجح أن تبقى هذه الأزمة في قلب السياسات اليابانية لعقود مقبلة.

