شؤون آسيوية – إعداد: رغد خضور –
وسط ترقب عالمي واسع لأكبر اجتماع من نوعه منذ تأسيس المنظمة قبل نحو ربع قرن، تستعد مدينة تيانجين الصينية لاحتضان قمة منظمة شنغهاي للتعاون خلال الفترة من 31 أغسطس إلى 1 سبتمبر 2025.
وعلى ضفاف نهر هايخه سيجتمع أكثر من 20 من قادة الدول و10 من قادة المنظمات الدولية، في حدث يمثل منعطفاً تاريخياً يُعلن الانتقال بالمنظمة من مجرد تجمع إقليمي إلى قطب عالمي فاعل في إعادة صياغة النظام الدولي.
فالقمة لا تقتصر على كونها اجتماعاً دورياً بين قادة آسيا الوسطى والصين وروسيا، بل باتت منصة تعكس التعددية القطبية الصاعدة، وتُظهر التلاقي بين دول الجنوب العالمي الباحثة عن بدائل للتبعية الاقتصادية والسياسية، تحت مظلة ما يُعرف بـ”روح شنغهاي”، القائمة على الحوار بدل المواجهة، والشراكة بدل التحالفات المغلقة.
أهمية القمة
منذ تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون عام 2001، نجحت في التحول من إطار أمني إقليمي إلى منظمة شاملة تُعنى بالأمن والاقتصاد والتنمية والتبادل الحضاري، ومع تولي الصين رئاسة المنظمة الدورية في يوليو 2024، تبنّت شعار “تعزيز روح شنغهاي: منظمة شنغهاي للتعاون في العمل”، وعملت على إطلاق أكثر من 100 نشاط غطّى طيفاً واسعاً من المجالات: الأمن، الاقتصاد الرقمي، الطاقة، التعليم، الابتكار، الصناعات الخضراء، إضافة إلى التبادلات الشعبية والثقافية.
وتأتي قمة تيانجين لتتوج هذه الجهود، وتعلن عن انطلاقة مرحلة جديدة، خصوصاً وأنها ستكون القمة الأكبر والأوسع تمثيلاً، حيث يشارك فيها أعضاء دائمون، ودول مراقبة، وشركاء في الحوار، بما في ذلك السعودية والإمارات وتركيا ومصر.
ويمثل هذا الحضور نحو 65% من مساحة العالم و46% من سكانه، وهو ما يجعل من القمة رمزاً عملياً للتعددية القطبية.
روح شنغهاي.. الفلسفة الموجهة
تستند المنظمة منذ نشأتها إلى “روح شنغهاي”، التي تُترجم في مبادئ الثقة المتبادلة، والمصالح المشتركة، والمساواة، واحترام تنوع الحضارات، والسعي للتنمية المشتركة.
وكما أوضح دنغ هاو، الأمين العام السابق لمركز أبحاث المنظمة، فإن “روح شنغهاي” تقدم نموذجاً جديداً للعلاقات الدولية ما بعد الحرب الباردة، بعيداً عن عقلية التحالفات العسكرية أو الصدام الأيديولوجي.
وأظهرت استطلاعات الرأي التي أُجريت في مايو 2025 أن أكثر من 80% من مواطني دول المنظمة يرونها قوة إيجابية في الحوكمة العالمية، بينما يعتقد 70% أنهم حصلوا عبرها على فرص أوسع للمشاركة في صياغة القواعد الدولية.
هذه القناعة الشعبية تعكس جاذبية “الطريق الثالث” الذي تمثله المنظمة: تعددية بدل الهيمنة، تعاون بدل المواجهة، وحوار حضاري بدل صراع الحضارات.
الأجندة الثلاثية للقمة
تتمحور قمة تيانجين حول ثلاثة محاور رئيسية هي الأمن والاقتصاد والتعاون الحضاري.
على صعيد الأمن، تبحث القمة في إطلاق منصة لتبادل المعلومات الاستخباراتية بهدف تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، كما ستشهد توقيع اتفاقية موجهة إلى التصدي لتجارة المخدرات العابرة للحدود، مع التركيز على تهريب الأفيون من أفغانستان عبر آسيا الوسطى. ويُناقش القادة أيضاً إنشاء مراكز أمنية متخصصة، من بينها مركز لأمن المعلومات، وآخر لمكافحة الجريمة المنظمة، إضافة إلى مركز لمكافحة المخدرات.
أما في الجانب الاقتصادي، فمن المقرر الإعلان عن تأسيس “بنك شانغهاي للتنمية” الذي يهدف إلى تلبية احتياجات البنية التحتية في آسيا الوسطى، وفي الوقت نفسه موازنة النظام المالي الغربي. كما تسعى القمة إلى تعزيز آليات التسويات بالعملات المحلية من أجل تقليص الاعتماد على الدولار، والوصول إلى نسبة 40% من حجم المبادلات داخل المنظمة.
ومن المنتظر أيضاً إطلاق مشروع “طريق الحرير الرقمي” باستثمارات أولية تقدر بخمسة مليارات دولار، بدعم من صناديق سيادية عربية ومؤسسات مالية آسيوية، إلى جانب بحث إمكانية تأسيس مركز شانغهاي للتوثيق الرقمي كبديل محتمل عن نظام التحويلات المالية العالمي “SWIFT”.
وتسعى القمة، فيما يتعلق بالتعاون الحضاري والابتكار، إلى توسيع التبادلات الشعبية والإعلامية، انطلاقاً من الأنشطة التي شهدتها قمة الإعلام ومراكز الفكر في تشنجتشو قبل القمة. كما تطرح على جدول أعمالها مناقشة القواعد الأخلاقية للذكاء الاصطناعي والسعي نحو وضع معايير تكنولوجية عالمية بمشاركة فاعلة من الدول النامية.
إضافة إلى ذلك، سيتم التركيز على تعزيز التعاون في حماية التراث الثقافي وتطوير مجالات الابتكار الجماعي مثل الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي.
البعد الجيوسياسي
القمة تأتي في سياق تنافسي عالمي متصاعد بين قوى الشرق والغرب، فالتوسع المتسارع للمنظمة، ودخول دول كالسعودية ومصر والإمارات وتركيا إلى هياكلها المختلفة، يمنحها وزناً استراتيجياً غير مسبوق.
ويبرز هذا التحول في مجالات عدة، إذ رفعت روسيا إمدادات الغاز الطبيعي للصين عبر آسيا الوسطى إلى 98 مليار متر مكعب سنوياً، في خطوة تقلص قدرة الولايات المتحدة على التحكم في أمن الطاقة الأوراسية، كما عززت المناورات العسكرية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهندي من قدرة الطرفين على تأمين طرق الطاقة الممتدة من الخليج إلى مضيق ملقا.
وفي الجانب المالي، يشكل التوسع في التسويات بالعملات المحلية تحدياً مباشراً لهيمنة الدولار ونظام الدفع الغربي.
وتكشف هذه التحركات مجتمعة، وفقاً لتوصيف بعض المحللين، عن “أكبر تحول جيوسياسي منذ الحرب الباردة”، إذ تسعى المنظمة إلى تفكيك حلقات الطوق الأمريكي حول أوراسيا وبناء نظام دولي أكثر توازناً.
من منظمة إقليمية إلى قطب عالمي
أبرز ما يميز قمة تيانجين هو إعلان الانتقال إلى مستوى عالمي جديد إنشاء آلية حوار سنوي بين الأمين العام للمنظمة والأمين العام للأمم المتحدة، بما يعزز شرعيتها الدولية، إضافة إلى بحث طلبات انضمام دول جديدة مثل أرمينيا وكمبوديا، ما يربط المنظمة بجنوب شرق آسيا ومنطقة القوقاز.
كما يميزها تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لدول المنظمة ليبلغ أكثر من 30% من الإجمالي العالمي، وارتفاع عدد سكانها إلى 3.6 مليار نسمة بعد التوسع، إلى جانب إدخال عناصر جيو-اقتصادية قوية مثل قناة السويس (مصر) ونفوذ السعودية في سوق الطاقة.
وبهذا، تتحول المنظمة إلى قطب عالمي جديد، قادر على التأثير في مسارات التجارة والطاقة والأمن، وليس مجرد تجمع إقليمي.
تفكيك السردية الغربية
الكثير من وسائل الإعلام الغربية ما تزال تصف المنظمة بأنها “نادي مناهض لأمريكا”، إلا أن مواقف الدول الأعضاء تكشف عن مقاربة مختلفة.
وزير الطاقة السعودي مثلاً أوضح أن الانضمام للمنظمة ليس اختياراً لجانب ضد آخر، بل بحث عن حلول تنموية عملية لشعوب المنطقة.
وبالنسبة لمصر، فقد أُطلق مشروع “منطقة تنمية قناة السويس الجديدة” فور الانضمام للشراكة، وجذب أكثر من 20 مليار دولار من الاستثمارات الصينية والروسية، ما يعكس البعد العملي للتعاون بعيداً عن الأيديولوجيا.
دور الإعلام ومراكز الفكر
القمة الإعلامية التي عقدت في تشنجتشو قبل قمة تيانجين كانت بمثابة منصة تمهيدية لصياغة خطاب مشترك، حيث شدد المشاركون من 26 دولة على ضرورة الترويج لـ”روح شنغهاي” ونشر قيم التعددية والتعاون، عبر وسائل الإعلام ومراكز الفكر.
وتم التوافق على تعزيز التبادلات الشعبية، وتدريب الكوادر الإعلامية، ودعم الشباب الأكاديمي وصنّاع المحتوى لقيادة سردية مضادة للسرديات الغربية المنحازة.
كما أصدرت القمة وثيقة “توافق تشنجتشو” التي حددت دور الإعلام في ترسيخ قيم التعايش الحضاري والتنمية المشتركة.
حجر الزاوية لنظام عالمي جديد
قمة تيانجين تمثل أكثر من مجرد اجتماع رفيع المستوى، فهي إعلان عن صياغة قواعد جديدة للنظام الدولي من الاعتماد على الدولار إلى تسويات محلية متعددة العملات، ومن التحالفات العسكرية إلى منظومة أمن جماعي إقليمي، وكذلك من المواجهة الأيديولوجية إلى التعايش الحضاري والتنمية المشتركة.
وبذلك، يمكن النظر إلى القمة كنقطة تحول في التاريخ المعاصر، حيث يجتمع قادة يمثلون ثلثي القوة البرية للعالم، ليضعوا أساساً لعصر ما بعد الأحادية القطبية، ويعلنوا عن ولادة نظام عالمي متعدد المراكز.
نقطة فاصلة
مع اقتراب قمة تيانجين، تزداد التوقعات بأنها ستكون نقطة فاصلة في مسيرة منظمة شنغهاي للتعاون، فالقمة لا تعكس فقط تزايد نفوذ المنظمة وتماسكها الداخلي، بل تعلن عن مشروع عالمي جديد يقوم على “روح شنغهاي”: الثقة، التعاون، المساواة، والتنوع الحضاري.
إنها بحق لحظة فارقة في مسيرة العالم نحو نظام أكثر عدلاً وتوازناً، نظام لا يقوم على الإقصاء بل على الشراكة، ولا على الهيمنة بل على التعاون، ما يجعل من قمة تيانجين محطة محورية في رسم مستقبل العلاقات الدولية خلال العقود المقبلة.