بقلم تسور شيزاف – كاتب إسرائيلي –
- أقسم أنني أعجز عن فهم شبه اللامبالاة والتجاهل الإسرائيلي للكارثة التي تواجهنا؛ الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، تحشد قوات هائلة في مواجهة إيران، بينما تُعِد إيران صواريخها. ولا توجد منظومة واحدة من منظومات الحماية الأميركية مخصصة للدفاع عن إسرائيل، بينما بنيامين نتنياهو الحقيقي اتصل مذعوراً بالرئيس ترامب وطلب منه، قبل نحو أسبوعين، ألّا يهاجم الآن لأننا غير مستعدين، وغير محميين.
- مَن قال إننا لم نستخلص العِبر من هجوم “شعب كالأسد”؟ في الحقيقة، لا يعرف أي واحد منا حجم الضرر الحقيقي الذي لحِق بالمنشآت الأمنية والبنى التحتية الإسرائيلية جرّاء الضربات الإيرانية في تشرين الأول/أكتوبر 2024، وفي حزيران/يونيو 2025، نحن نعرف فقط ما يستحيل إخفاؤه: معهد وايزمن دُمِّر، والمستشفى الكبير والوحيد في النقب تضرّر بشدة، ولم تتم إعادة تأهيله بعد، وقاعدة الاستخبارات القريبة منه تلقّت ضربة قاسية، ولم ترمَّم، وهناك كتل من المباني في أنحاء البلد ما زالت أنقاضاً. قاعدة نيفاتيم الجوية أصيبت بعشرات الصواريخ الثقيلة، وسلسلة من المنشآت الإسرائيلية الأُخرى تعرضت لهجمات، بينما أعادت إيران ترميم كلّ ما دُمّر لديها وأنتجت مزيداً.
- هذا كله، بينما وُجّه معظم الصواريخ إلى أهداف عسكرية وأمنية تم إخلاء جزء منها مسبقاً قبل نصف عام، كعبرة ممّا تلقّته في تشرين الأول/أكتوبر 2024.
- فالمواطنون الإسرائيليون من عامة الناس، الذين لا يملكون منشآت هائلة تحت الأرض في أسفل جبال القدس، مكشوفون لوابل من الصواريخ الثقيلة والقاتلة…
- وبما أن نتنياهو لا يتمتع بأيّ أهمية حقيقية، في نظر ترامب – وهو مع ذلك، مَن لا يزال يُمسك بالكنيست – فلم يتبقّ سوى انتظار ضربة الفأس؛ فكلّ من يحيط بنتنياهو أصغر منه وأكثر حماقةً. لم يبقَ لنا سوى انتظار الضربة التي سنتلقاها من دون القدرة على منعها، فربما حان الوقت لنفهم كيف تدحرجنا إلى حيث نحن، ولماذا بعد جولتين من القتال مع إيران، تباهينا بأننا انتصرنا انتصاراً كاسحاً، وجررنا الأميركيين معنا أيضاً – فجأة، وُلدت من العدم حرب اختيار جديدة، نكون فيها مجرد كومبارس عرضة للضرب، مع احتمال تلقّي ضربة لم نشهد مثلها من ذي قبل.
- فلنرتّب الأمور. في سنة 1973، فرض العرب حظراً نفطياً على العالم، عقب حرب يوم الغفران، فنشأ نقص حاد في الولايات المتحدة. الأميركيون – أكبر مستهلكي الطاقة والوقود في العالم – صُدموا، وقرروا ألّا ينقصهم النفط مرة أُخرى إطلاقاً، فسارعوا إلى ترتيب علاقاتهم مع دول الخليج الفارسي.
- ومنذ ذلك الحين، تُعتبر الإنتاجات العربية الهائلة بمثابة احتياطي أميركي. وكل مَن حاول زعزعة هذا النظام العالمي، مثل صدام حسين، حين غزا الكويت في سنة 1990، واجه بشكل فوري تحالفاً دولياً قادته الولايات المتحدة، التي انتزعت الكويت من يديه، وفصلت شمال العراق الغني بالنفط عن جسده، وبدأ الأكراد بنقل ثروات الموصل وأربيل وكركوك عبر أنبوب النفط إلى تركيا والغرب.
- في سنتَي 1991 و2003، ما زال هناك قواعد وأعراف، لكن الخطأ الوحيد كان خسارة إيران لمصلحة الخميني والثورة الإسلامية في سنة 1978. كانت الكراهية للأميركيين شديدة إلى درجة أن الإيرانيين رفضوا بيعهم النفط. وبمرور السنوات، اقتنع الأميركيون بأن أفضل طريقة هي خنق إيران بقدر الإمكان لإجبارها على الانضمام إلى منظومة الطاقة الأميركية؛ نتنياهو أقنعهم بأن العقوبات هي الطريق؛ أوباما ظن أن الاتفاق أفضل؛ ترامب لا يفهم إلّا لغة القوة.
- لكن الإيرانيين التفوا على الحظر وصدّروا النفط عبر الاتحاد السوفياتي، وبعد انهياره، إلى الصين الصاعدة التي غذّت تحوُّلها إلى قوة عظمى؛ أمّا تركيا، فلأسبابها الخاصة، مدّت يد العون لإيران المنبوذة منذ أكثر من 25 عاماً؛ العقوبات منعت إيران من البيع للعالم، ومن استخدام النظام المصرفي الذي تديره الولايات المتحدة (سويفت). كان الحل بسيطاً وقديماً: مقايضة الموارد، والذهب مقابل النفط؛ ناقلات إيرانية محمّلة بالنفط تصل إلى الحدود التركية، ومن الجهة الأُخرى، شاحنات تركية محمّلة بالذهب، وما زال الوضع على هذه الحال حتى اليوم؛ الأتراك يشترون بثمن بخس ويبيعون بثمن مرتفع – والإيرانيون لا خيار لديهم، ووضعهم صعب، والأموال، في معظمها، تذهب للأمن، والبلد يغلي ويحاول التخلص من الخمينيين.
- يمكن إدراك سبب عدم حماسة تركيا للحرب ضد إيران – لأن هذا يعني نهاية النفط الرخيص. ومن جهة أُخرى، حصلت على “الحلوى السورية” من الأميركيين الذين سمحوا للجيش الجهادي الوكيل المسمى “الجيش السوري”، بقيادة الشرع، بالسيطرة على دير الزور، وهو ما يضمن استمرار تدفُّق النفط الرخيص…
- الجميع يحصل على شيء، حتى إسرائيل. لقد حصلت من أميركا على تركيا وقطر ومصر وغيرهم كمدراء في قطاع غزة، بينما هي لا تسيطر عليه، ولا رأي لها فيه، أي إن ما تحصل عليه إسرائيل خلال العام الأخير هو إملاءات أميركية، وهذا كله لكي يتمكن نتنياهو وزوجته وأولاده من السفر بحقائبهم المحمية إلى أميركا…
- إن حرب ترامب ليست ضد إيران، وبالتأكيد ليست من أجلنا. فالحرب هي على الطاقة: مَن يسيطر على سلة الطاقة العالمية ويمنعها عن الصين. منذ عشرين عاماً، تعمل الصين وروسيا وتركيا من أجل السيطرة على أكبر قدر ممكن من الموارد في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، وكانت سيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا إشارة إلى أن أميركا الجنوبية لها.
- يهدف العدوان على إيران إلى إدخال طاقة الخليج الفارسي بالكامل ضمن دائرة النفوذ الأميركي. لا تملك إسرائيل أيّ محرك، أو قدرة على إيقاف أميركا ترامب؛ نتنياهو باع الغاز الإسرائيلي لكبار رجال الأعمال، ووعد الإسرائيليين بمستقبل أفضل، وهؤلاء بدورهم، باعوه لشركات الطاقة الأميركية. هذا ما حدث فعلاً في عهد أوباما.
- وإن ساوركم الشك في منطق القصة، عودوا أسبوعين إلى الوراء: مادورو وفنزويلا، حيث يوجد أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، والتي كانت تزوّد به جزءاً كبيراً من الاستهلاك الصيني، ومن دول أُخرى لا تريد الاعتماد على مصادر خاضعة لترامب. انتهى الأمر…
- هل سيهاجم ترامب إيران بعد حشد كل هذه القوى؟ قال ترامب لنفسه إنه إذا وقف الإيرانيون على رؤوسهم، وسجدوا واستسلموا له علناً، وضخّوا كل النفط إلى أميركا، فلن يمسّهم بسوء…
- هل الانتفاضة الإيرانية الشجاعة والدامية مجرد ذريعة إعلامية تفوح منها رائحة النفط والدم؟ لا يمكن… هكذا تقولون؟ التاريخ لا يعيد نفسه؟ كل شيء نفط ومال وصراع بين أميركا ترامب والصين، ورئيس نرجسي أمّي فقد صوابه. ولدينا نحن؟ نرجسي آخر صغير، جبان، أناني، لا يعرف التخطيط، ولا يفكر أبعد من أنفه. إن دمارنا سيخدم تركيا. إسرائيل صغيرة وضعيفة – فكرة ممتازة. الجميع سيفرح. الجميع… إلّا نحن حين نتجول بين الأنقاض.
- إلّا إذا كان الأميركيون، كما تفاخر ترامب، يمتلكون سلاح الصدمة “الفرط-الصوتي” الذي يضرب بموجات صوتية، فيدمّر ويذيب الاتصالات ومنشآت القيادة، ويمنع أي شيء من العمل، مثلما شرح بلغته المبهمة كيف اختطف الأميركيون رئيساً من منصبه في كاراكاس. ربما لهذا السبب، خاف نتنياهو من إرسال هرتسوغ إلى مؤتمر دافوس، بدلاً منه.
- قبل أيام، تحدثتُ مع صديق أميركي، مراسل حربي، أمضينا معاً أعواماً في العراق وأفغانستان قبل عقود. كنت أشفق على الأكراد، ثم على الإسرائيليين الذين يُسحقون تحت ثقل الغباء المحلي وغباء ترامب، فقال لي: “أتظن أن لديكم مشاكل؟ نحن الأميركيين لدينا مشاكل أكبر كثيراً.” قلت له: “نعم، مشكلتنا هي عادتكم الغريبة بتصدير مشاكلكم بكل القوة إلى العالم كله.”
المصدر: صحيفة معاريف الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

