شؤون آسيوية – الفيوم –
لعقود خلت، كانت واحة الفيوم المصرية، الواقعة على بعد 100 كيلو متر جنوب غرب العاصمة القاهرة، مقصدا لهواة القنص من الأثرياء و الصيادين.
وتحت سماء الواحة الشاسعة، كانت فوهات البنادق تترصد الطيور في المستنقعات الواقعة ضمن مسار الهجرة “الأفريقي-الأوراسي”، ذلك الطريق الطبيعي الذي يربط بين قارات ثلاث، وهي آسيا وافريقيا وأوروبا.
غير أن الأعوام الأخيرة شهدت تحولاً لافتاً؛ فاليوم، وفي تلك الأراضي الرطبة التي كانت أصداء الرصاص تدوّي فيها، بات يهيمن صوت من نوع آخر، وهو نقرات عدسات الكاميرات الهادئة، وهمسات الزوار الذين أتوا تقديراً لحياة الطيور لا إزهاقاً لها.
وعلى الرغم من إعلان منطقتي “وادي الريان” و”بحيرة قارون” محميات طبيعية منذ العام 1989، إلا أن التغيير الجذري لم يترسخ إلا أخيراً. والآن، تجد الملايين من الطيور المهاجرة – بما في ذلك طيور الفلامنجو، والبط بأنواعه المختلفة، والبلشون – ملاذاً آمناً، حيث تستريح وتتغذى في رحلتها الملحمية من أصقاع أوروبا وآسيا المتجمدة، صموداً أمام ارهاق السفر نحو الجنوب.
إبراهيم ضيف، مرشد سياحي متخصص في مجال مشاهدة الطيور، يبلغ من العمر 45 عاماً ونشأ في واحة الفيوم، عاصر فصلي هذه الرواية، ففي الثامنة من عمره، كان يقتفي أثر الصيادين الأجانب مع إخوته، يرشدهم إلى أماكن تجمع الطيور دون إدراك لحجم الخطر.
ويتذكر ضيف قائلا في تصريحات لوكالة أنباء ((شينخوا)) كان إخوتي يعرفون تماماً أين تختبئ الطيور، وكان السائحون يصطادون تلك الطيور بشكل كبير.
أما اليوم، فيمسح ضيف تلك المستنقعات نفسها عبر منظاره المكبر، يتتبع تحليق طائر الفلامنجو الكبير، أو الحركات السريعة لبط الكمار، حيث يقود الزوار الآن نحو استكشاف طبيعة حياة هذه الطيور، وليس لصيدها.
هذا التحول لم يغير المشهد الطبيعي فحسب، بل غيّر سبل العيش أيضاً؛ حيث يتقاضى ضيف حوالي 100 دولار أمريكي مقابل الجولة الواحدة التي تستغرق بضع ساعات، وفي الأيام الحافلة يقود مجموعتين، منسقاً رحلاته عبر وسائل التواصل الإجتماعي ومنظمي الرحلات المتخصصين.
ويقول بفخر “أصبحت أنا وإخوتي من أشهر المرشدين الموثوقين في الفيوم، مشيراً إلى أن المصورين هم الأكثر صبراً وتقديراً لهذه التجربة الفريدة”.
وبدأت وزارة البيئة المصرية في الترويج لهجرة الطيور كأحد أصول السياحة البيئية، وفي إجراءات عملية، يؤكد المسؤولون إمكانية إيقاف توربينات الرياح على طول البحر الأحمر مؤقتاً خلال ذروة مواسم الهجرة لتقليل حوادث اصطدام الطيور.
ويعلق ضيف على ذلك، قائلاً إن الدولة تقوم بعمل مهم في المحميات، وهذا يثبت أن صون الطبيعة يمكن أن يخلق فرص عمل.
وعلى ذات الدرب، سار أحمد منصور (42 عاماً)، الذي تلقى تدريباً عبر برامج دولية حول مسارات الهجرة وإيكولوجيا الطيور، ويقدم منصور الآن جولات تمزج بين سفاري الصحراء ومراقبة الطيور، مؤكداً أن البحيرات بدأت تستعيد عافيتها وتستقطب أنواعاً من الطيور غابت لسنوات.
وعلى بعد ساعة ونصف فقط من ضجيج القاهرة، يعيد سكان العاصمة اكتشاف جوهر فُقد في العالم الحديث، خالد عمر (34 عاماً) يصف لحظة تحليق طائر البلشون من المياه الضحلة بأنها لم تمنحه التسلية بل السكينة.
وقال عمر في تصريحات لـ((شينخوا)) بينما كان يستظل بشجرة على شاطىء بحيرة قارون “عندما تراقب طائراً يتحرك بهذه النعمة الفطرية، تدرك أن الطبيعة لا تحتاج لتدخلنا، بل تحتاج فقط لاحترامنا”.
أما ليلى علي، سيدة الأعمال التي كانت تقصد الفيوم سابقاً لمناخها المعتدل فقط، فقد كان التحول لديها ملموس؛ إذ باتت تقضي عطلات نهاية الأسبوع في تصوير طيور الفلامنجو وهي تصبغ مياه البحيرة باللون الوردي.
وقالت إن إدراكها للمسافات الشاسعة التي تقطعها هذه الكائنات، آلاف الكيلو مترات من أوروبا، غير نظرتها للطبيعة وللبشر على حد سواء.
وأضافت وهي ترسم ابتسامة هادئة “هذا الشعور يجعلك تشعر بعجزك، ولكن بطريقة إيجابية وجميلة”.
المصدر: شينخوا

