أثار الحرب
بقلم ميخائيل ميلشتاين – كاتب إسرائيلي –
• حسناً فعل بنيامين نتنياهو عندما حدد في الأسبوع الماضي أهداف الحرب ضد إيران بهذا الترتيب: تدمير البرنامج النووي وترسانة الصواريخ الباليستية، وإلى جانبهما (في المرتبة الثالثة) خلق ظروف تمكّن الشعب الإيراني من التحرر من النظام الإسلامي. ومع ذلك، فبينما الهدفان الأولّان واضحان نسبياً وقابلان للقياس إلى حدّ كبير، يبقى الهدف الثالث غامضاً، وخصوصاً فيما يتعلق بالإنجاز المطلوب والجداول الزمنية لتحقيقه. • تعكس الفجوة بين الأهداف مشكلة أساسية انكشفت بكل قوتها في 7 أكتوبر وما زالت قائمة حتى الآن: فمن جهة، تمتلك إسرائيل تفوقاً عسكرياً يعتمد على ميزة تكنولوجية واستخباراتية، إلى جانب الجرأة والدهاء، وهو ما يؤدي إلى إنجازات دراماتيكية. ومن جهة أُخرى، يظهر ضُعف مستمر في فهم نيات العدو ومنطقه، وهو ما يترافق مع إصرارٍ على تشكيل الواقع، استناداً إلى هذا النقص في فهم “الآخر”، وأحياناً عبر استبدال استراتيجيا واقعية بأوهام. وفي هذا السياق، تبرز القناعة أن في الإمكان تشكيل دول المنطقة، عبر تنصيب ملوك وخلق نخب بديلة وهندسة الوعي، لكن هذه المغامرات تنتهي دائماً بشكل سيئ، ولا يتم استخلاص الدروس منها بشكل كافٍ، بل تمهّد الطريق لمشاريع جديدة فاشلة. • إن الخطر الدائم الناتج من هذا الخلل هو الانزلاق إلى صراعات أطول مما خُطط لها، والتورط فيها، وخصوصاً عندما لا يتحقق حسم سريع وواضح، وهذا يؤدي إلى إطلاق وعود بلا جدول زمني تبرر الانتظار، مثل “نحن على بُعد خطوة عن النصر”، و”تزداد مؤشرات الانهيار”، و”على أعتاب تحوّل دراماتيكي”، حسبما قيل في سياقات عديدة. • على الرغم من الضربات القاسية التي تلقّاها النظام الإيراني، لا تظهر حتى الآن علامات على زعزعته. إن “قطع رأس” قياداته يشكل صدمة له، لكنه لا يؤدي إلى انهيار النظام (وهو درس كان يمكن تعلُّمه أيضاً من “حماس” وحزب الله)؛ كذلك لا توجد مؤشرات تدل على كسر حاجز الخوف لدى المواطنين. هذا الوضع يفرض التساؤل: كم من الوقت يجب الاستمرار في ضرب أهداف النظام حتى يمكن القول إن الظروف باتت مهيأة لثورة؟ وهل يُفترض أن تحدث خلال الحرب، أم في المستقبل القريب، أو البعيد؟ أم أن احتمالاتها منخفضة أصلاً؟ وفي هذا السياق أيضاً، يبرز سؤال عن توزيع الجهد بين الأهداف الثلاثة، إذ تثير صور استهداف مواقع الحراسة، أو حواجز “الباسيج”، تساؤلات عمّا إذا كان من الأفضل، في ظل نافذة الفرص التاريخية، التركيز على تعميق الضربات ضد المنشآت النووية والصاروخية والصناعات العسكرية. • يظهر أيضاً في هذا الإطار خلل مرتبط بجذور إخفاق 7 أكتوبر، والذي لم يتم التحقيق فيه بشكل كافٍ حتى الآن؛ فالإنجازات الكبيرة التي تحققت في العمليات العسكرية، إلى جانب الضربات القاسية التي تلقّاها حزب الله، جاءت إلى حد كبير بفضل التفوق التكنولوجي، وهو العامل نفسه الذي أدى الاعتماد المفرط عليه، على حساب فهم منطق العدو، إلى ذلك الإخفاق. هذه النجاحات العسكرية تساهم في تصوير أخطاء الماضي كأنها تخص فقط الذين كانوا في مواقع المسؤولية في 7 أكتوبر، مع التقليل من الأخطاء المستمرة التي تكشف عن فجوة دائمة في تقدير نيات العدو، ومثال لذلك الرد الإيراني القاسي بعد اغتيال محمد رضا زاهدي في نيسان/أبريل 2024، خلافاً للتقديرات الإسرائيلية، وكذلك التعافي السريع لحزب الله ومشاركته العميقة في المواجهة الحالية، بدلاً من أن يكون مردوعاً، أو “يتلاشى”. • إن الصراع المستمر ليس من دون إطار زمني، ومن المهم استغلال الفرصة النادرة – التي تشكلت إلى حد كبير بسبب وجود ترامب في منصب الرئاسة الأميركية حالياً – وتركيز الجهد على الملف النووي والصواريخ، مع تقليل الجهد المبذول في زعزعة النظام، وهو هدف لا توجد طريقة لمعرفة ما إذا كان سيتحقق، أو متى وكيف. هذه المقاربة ضرورية، وخصوصاً في ضوء السيناريو الخطِر الذي يجب منعه، والمتمثل في بقاء النظام الإسلامي بعد المواجهة، وسعيه لاحقاً إلى تسريع تطوير سلاح نووي. • أظهر المجتمع الإسرائيلي صموداً عميقاً منذ 7 أكتوبر، بما في ذلك خلال المواجهة الحالية، ويمنح القيادة ثقة بتنفيذ العمليات العسكرية. لكنه يطالب، وبحق، بحوار صريح وناضج، ويريد التأكد من أن القيادة تعمل بعقلانية؛ لذلك، يُستحسن أن يقلل المسؤولون من استخدام الشعارات الفارغة، أو الأوصاف ذات الطابع الديني، مثل “ساعة المعجزة” و”زمن الخلاص”، لأنها تثير الشك في دقة قراءة الواقع؛ يُنصح أيضاً بالتوضيح أنه نظراً إلى طبيعة الصراعات الحالية والخصوم – وهُم عبارة عن كيانات أيديولوجية متشددة لا تُهزَم حتى بعد تكبُّدها خسائر كبيرة – فإن القضاء الكامل عليهم، أو تحقيق “نصر مطلق”، أمر غير واقعي؛ فالتغيّرات في الشرق الأوسط لا تتحقق عبر فرضٍ خارجي، بل من خلال ثورات داخلية، وحتى في هذه الحالة، لا أحد يضمن ظهور قوى صديقة لإسرائيل، على غرار ما يظهر من التجربة السورية. • وأخيراً، كلمة لا بد منها بشأن صعوبة إدارة نقاش موضوعي اليوم بشأن القضايا السياسية التي يحق للجمهور أن يبدي رأيه فيها، لا أن يكون مجرد “جمهور مشجع”؛ فكلّ مَن يدّعي أن المطالبة بإجابات من القيادة بشأن الاستراتيجيا هي تعبير عن التشاؤم، أو الضعف، أو عدم الفهم لحجم اللحظة التاريخية، عليه أن يتذكر ما قيل قبل 7 أكتوبر بشأن السياسة تجاه “حماس”؛ آنذاك أيضاً، وُصفت الانتقادات بأنها “سلبية”، بينما قُدمت أفكار، مثل “التسوية الاقتصادية في غزة” كمبادرات إبداعية. إن حالة الرضا المفرط التي سبقت 7 أكتوبر تحولت إلى نشوة، وهما يشكلان معاً الخطر الحقيقي الداخلي، وليس المطالبة باستراتيجيا عقلانية، والتحقيق في الإخفاقات، والتعلم من الماضي.
المصدر: صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

