شؤون آسيوية – القاهرة –
داخل منزل متواضع في محافظة البحيرة بشمال مصر، طغت لمعة شاشة الهاتف الذكي على الاستعدادات التقليدية المعتادة للاحتفال بعيد الفطر لدى عائلة المصري أحمد كمال، الشاب الثلاثيني، الذي سافر إلى المملكة العربية السعودية للعمل.
فلم يعد للعيد بريقا لدى العائلة بعدما استبدلت عبارات التهنئة التقليدية بسؤال واحد مكرر ينساب عبر رسائل تطبيق (واتساب) في كل ساعة: “يا أحمد، هل أنت في مكان آمن؟”، وذلك على وقع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي طالت دول الخليج.
وكمال هو واحد من ملايين المصريين الذين يشكلون العمود الفقري للجاليات الوافدة في دول الخليج، والذين يجدون أنفسهم اليوم في عين العاصفة.
فمنذ بدء الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، شهدت المنطقة تحولاً دراماتيكياً في المشهد الأمني، إذ اندلعت موجة غير مسبوقة من الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية في سماء المنطقة، محولةً مراكز الاستقرار الاقتصادي إلى مناطق ترقب وقلق.
وتتعرض دول الخليج لهجمات بمسيرات وصواريخ إيرانية طالت القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة قبل أن تتوسع لتشمل مطارات وموانئ ومنشآت للطاقة في هذه الدول.
وبالنسبة لآلاف الأسر في القرى والمدن المصرية، كانت “الغربة” دائماً هي الحل السحري للهروب من ضيق ذات اليد وتأمين مستقبل الأبناء. لكن هذا الوعد بالرخاء الاقتصادي اصطدم فجأة بواقع الحرب.
فكمال، الذي غادر قريته بحثاً عن “الستر” وقدرة أكبر على إعالة زوجته وطفليه، يجد نفسه الآن مضطراً لطمأنة عائلته في كل لحظة، بينما يحاول هو نفسه استيعاب دوي الانفجارات أو أخبار الاعتراضات الجوية التي تتردد أصداؤها في المنطقة.
وتقول زوجته، خلود إبراهيم، وهي تجلس وعيناها لا تفارق شاشة الهاتف: “لقد غادر زوجي هرباً من ضيق الحال وصعوبات الحياة هنا، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام حرب إقليمية لم نكن نتخيلها”.
وتضيف بنبرة يملؤها الشجن: “أصبحت مراسلته هي شغلي الشاغل طوال اليوم. إذا تأخر في الرد ولو لدقائق معدودة، يبدأ عقلي في نسج سيناريوهات مرعبة، وأبدأ في تصور الأسوأ. المال الذي يرسله لم يعد يسعدنا بقدر ما تسعدنا كلمة (أنا بخير)”.
هذا القلق ليس حالة فردية، بل هو “ترند” حزين يلف الشارع المصري من شماله إلى جنوبه. ففي القاهرة، وتحديداً في حي مدينة نصر المكتظ بالسكان، تعيش السيدة فادية محمد (75 عاماً) حالة من الأرق الدائم على ابنها محمود توفيق.
ويعمل توفيق مراقبا لعمال البناء في العاصمة الإماراتية أبوظبي، فيما تقضي والدته لياليها أمام القنوات الإخبارية تتابع التقارير الواردة من دولة الإمارات العربية المتحدة بقلب مرتجف.
وتقول السيدة المسنة، وهي تحاول جاهدة حبس دموعها: “أظل مستيقظة حتى خيوط الفجر الأولى، أنتظر فقط تلك الرسالة الصوتية التي يرسلها ابني ليؤكد لي أن أسرته وأحفادي بخير”.
وتضيف “التقارير عن استهداف البنية التحتية والمرافق لا تتوقف، وأي خبر عاجل يظهر على الشاشة أشعر وكأنه طعنة في صدري. لقد أصبح كل انفجار هناك صدمة لنا هنا”.
وقبيل أي هجوم، دائما ما ترسل السلطات في الإمارات وباقي دول الخليج تنبيهات عاجلة للسكان على الهواتف النقالة تحذر فيها من الهجمات المحتملة، وتدعو إلى البقاء في أماكن آمنة.
وغالبا ما تكون أصوات الانفجارات هناك ناتجة عن عمليات اعتراض للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
ويقدر عدد المصريين في السعودية بنحو 1.47 مليون مواطن، بينما يقطن قرابة 1.3 مليون مصري في الإمارات، وفق البيانات الرسمية. وهذه الملايين ليست مجرد أرقام في سجلات القوى العاملة، بل هم “شريان حياة” لملايين الأسر في الداخل المصري عبر التحويلات المالية.
وفي ظل التطورات الإقليمية الراهنة، عقدت السفارات المصرية في دول الخليج اجتماعات مباشرة أو افتراضية للاطمئنان على أوضاع المغتربين المصريين، وفق بيانات لوزارة الخارجية.
ومنذ تصاعد الصراع في فبراير الماضي، تغيرت الأولويات لدى عائلات المغتربين المصريين؛ فبعد أن كان “تحسين المستوى المعيشي” هو الهدف الأسمى، أصبح “البقاء على قيد الحياة” هو المطلب الوحيد لتلك العائلات. الغلاء وضغوط الحياة في مصر، والتي كانت الدافع الأساسي للهجرة، تلاشت أهميتها أمام خطر الفقد.
وتقول خلود بكلمات تلخص حال الملايين: “عندما تسقط القذائف، تصبح الأموال مجرد أوراق لا قيمة لها. المال يعوض، لكن الأرواح لا تعوض. كل ما أتمناه الآن هو أن يحل العيد القادم وهو بيننا، أو على الأقل أن أسمع صوته يقول: “لا تقلقي، أنا بخير”.
المصدر: شينخوا

