الحرب على إيران مستمرة
بقلم عاموس هرئيل – كاتب إسرائيلي –
• يوم الجمعة، وبعد أقل من 24 ساعة على فرضه وقف إطلاق النار على الطرفين في لبنان، اتّخذ رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب خطوة إضافية، متطرفة وشبه غير مسبوقة بطبيعتها، إذ أعلن أنه منع إسرائيل من مواصلة قصف لبنان. وكتب ترامب في شبكته الاجتماعية أن “الولايات المتحدة تمنع إسرائيل من القيام بذلك. كفى يعني كفى!!! شكراً!” • قبل عشرة أيام فقط، رفض ترامب طلباً إيرانياً لربط وقف إطلاق النار في الخليج بوقفه في لبنان، ولم يمنع الجيش الإسرائيلي من مواصلة القتال في الشمال، لكنه الآن، أوقف الحرب في لبنان أيضاً، ربما موقتاً، على خلفية الحرب في إيران، وفي الحالتين، سارع إلى الإعلان أنه أنهى الحروب، رافعاً بذلك عدد الحروب التي أنهاها، وفق حسابه، إلى 10 (على الرغم من أن هذه القائمة تتضمن، بحسب قوله أحياناً، نزاعات ذات ظروف غامضة، مثل النزاع بين كمبوديا وأرمينيا). • يمكن العثور هنا على قاسم مشترك مع سلوكه في قضية قطاع غزة العام الماضي؛ ففي صيف 2025، استجاب لضغوط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وسمح له بتوسيع العملية البرية في غزة، لكن عندما تبيّن لترامب أن نتنياهو غير قادر على تحقيق وعوده بالقضاء التام على “حماس”، انتهز الفرصة، بعد الهجوم الفاشل ضد قيادات الحركة في قطر في أيلول/سبتمبر الماضي، وأمر إسرائيل بإنهاء القتال. • كانت النتيجة، بعد شهر، صفقة تبادُل الأسرى الثالثة التي شملت انسحاباً جزئياً للجيش الإسرائيلي ووقف إطلاق نار لا يزال قائماً بشكل جزئي. الآن، يحاول ترامب التصرف بطريقة مشابهة في إيران ولبنان؛ في إيران، أقنعه نتنياهو بوضع هدف تغيير النظام كجزء من الحملة، لكن عندما تبيّن أن الهدف صعب التحقيق، يبدو كأن ترامب بدأ بالبحث عن مخرج؛ أمّا لبنان، فلم تكن حربه أصلاً: صعّدتها إسرائيل بعد أن أطلق حزب الله عدداً من الصواريخ في مطلع آذار/ مارس، انتقاماً لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي الخامنئي؛ الآن، يسعى الرئيس لكبح نتنياهو قبل الانزلاق إلى مواجهة أوسع مع الحزب. • إن الاتفاق نفسه هشّ للغاية، ويتضمن عنصراً تاريخياً، هو الاستعداد لإجراء محادثات مباشرة بين حكومتَي إسرائيل ولبنان (يأمل ترامب بأن تتحول إلى قمة بين القادة)، لكن هناك تفاصيل كثيرة لا تزال بعيدة عن الحسم. وعلى الرغم من أن نسبة القتلى بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، وفق التقديرات الإسرائيلية، تتجاوز 1 إلى 100 لمصلحة الجيش، فإن الحزب لا يرى في ذلك هزيمة عسكرية تفرض الاستسلام. فقياداته تعلن رفضها للوجود الإسرائيلي في منطقة عازلة في الجنوب اللبناني، وكذلك لواقع استمرار الضربات الإسرائيلية ضد بنيته التحتية وعناصره في أنحاء البلد. • وعلى غرار غزة، حيث تواصل “حماس” البقاء على الرغم من ضعفها العسكري، وتعيد إحكام سيطرتها على السكان، فإن التفوق الإسرائيلي هنا أيضاً لا يُترجَم إلى “نصر مطلق”، مثلما وعد نتنياهو مراراً. حتى الآن، ما يحققه ترامب هو أساساً وقف إطلاق نار موقت، من دون اتفاقات سياسية مُلزمة تضمن استقراراً استراتيجياً طويل الأمد. إن وجود الجيش الإسرائيلي داخل أراضي العدو يخلق حاجزاً يحسّن حماية السكان بالقرب من الحدود، لكنه في الوقت نفسه، يضمن احتكاكاً مستقبلياً، إذ سيكون لدى حزب الله و”حماس” مبرر لاستئناف القتال لاحقاً بهدف إنهاء “الاحتلال” في الأراضي اللبنانية والفلسطينية. • للمرة الثانية على التوالي (والثالثة إذا احتُسبت غزة)، يجد نتنياهو نفسه في موقف محرج: عليه أن يبرر للجمهور لماذا تُعدّ النتائج غير الحاسمة نجاحات كبيرة، ولماذا لا يزال ترامب صديقه الأكبر، وكيف أن إنجازاته في الحرب تمحو فشل هجوم 7 أكتوبر الذي يلقي بمسؤوليته على المؤسسة الأمنية. وفي المقابل، يستعد كبار قادة الجيش لهجوم إعلامي جديد، في ظل الفجوة بين التوقعات العالية عند بدء الحرب والواقع الحالي، وخصوصاً مع مخاوف وإحباط سكان الشمال، ولا يُستبعد أن تنهار المحادثات في الساحتين، وأن تعود الولايات المتحدة إلى القتال في الخليج وتسمح لإسرائيل بجولة جديدة في لبنان. • مؤخراً، عُقد لقاء بين مسؤولين عسكريين وصحافيين، بدا فيه أن هيئة الأركان تدرك المسار المتوقع في لبنان؛ أشار أحد المتحدثين إلى أن الإنجاز العسكري في الأسابيع الستة الأخيرة يمهّد الآن لخطوة سياسية تهدف إلى بلورة اتفاق يضمن واقعاً أفضل على الحدود. تستند هذه الرؤية إلى فرضيتين: أن الحكومة معنية بمثل هذا المسار وقادرة على تنفيذه، وأن الجيش سيحصل على حرية عملٍ هجومية في المنطقة التي يسيطر عليها في الجنوب اللبناني. • لكن هاتين الفرضيتين باتتا في موضع شك، فمن غير الواضح ما إذا كان نتنياهو يريد اتفاقاً، إذ فضّل مواصلة القتال على جبهتين. كما أن تصريحات ترامب تفرض قيوداً كبيرة على تحركات الجيش، الذي يمكن أن يجد نفسه في موقف صعب إذا حاول حزب الله، رغم ضعفه، مواصلة “اللدغات”، عبر هجمات حرب عصابات محدودة. • أمّا فيما يتعلق بإيران، فتقدّر هيئة الأركان أنها تدخل المفاوضات مع الولايات المتحدة من موقع ضُعف نسبي، على الرغم من نجاح قيادتها في البقاء. إن توصية الجيش لنتنياهو هي بالإصرار على إخراج اليورانيوم المخصّب العالي المستوى من إيران، ومنع التخصيب داخلها فترة طويلة جداً، وتقليص الأموال الإيرانية التي ستُفرج عنها الولايات المتحدة، في مقابل تسوية الملف النووي. هذه المطالب مهمة، لكن من غير الواضح ما إذا كانت كافية لمواكبة إيقاع ترامب، الذي يطرح فعلاً وعوداً بحلّ الصراع، في مقابل وقف التخصيب لقاء مليارات الدولارات. • حسبما تبدو الأمور الآن، وربما خلافاً للتوقعات السابقة، يبدو ترامب أكثر حماسةً من الإيرانيين للتوصل إلى اتفاق، ووقع أمس تطوّر جديد، حين أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز مجدداً، رداً على استمرار “الحصار” من الجانب الأميركي، لا بل أطلقت قواته النار على سفينتين حاولتا عبوره. يمكن فهم هذا التصعيد كجزء من التفاوض، في محاولة من إيران لتحسين موقعها التفاوضي قبل إبرام اتفاق نهائي. ومع ذلك، يبقى هذا الاستفزاز غير ضروري، وربما تدفع إيران ثمنه غالياً.
المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية
