العدوان على لبنان
بقلم تسفي برئيل – محلل سياسي إسرائيلي –
• يمكن أن يحدد لبنان، يوم الجمعة، مصير وقف إطلاق النار مع إيران. حذّر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي من المقرر أن يرأس الوفد الإيراني إلى المحادثات في باكستان، أمس، من أن “لبنان ومحور المقاومة هما جزء لا يتجزأ من إطار وقف إطلاق النار،” وأن أي خرق لوقف إطلاق النار، بما في ذلك في لبنان، “سيؤدي إلى ردود قاسية”، لكن، خلافاً لتصريحات وتلميحات سابقة، لم يصرّح قاليباف هذه المرة بشكل قاطع بأن إيران لن تشارك في الاجتماع في إسلام آباد إذا لم يتوقف إطلاق النار في لبنان.
• قاليباف (66 عاماً)، الذي شغل في السابق منصب رئيس بلدية طهران، وقائد سلاح الجو في الحرس الثوري، وقائد الشرطة، ويحمل درجة الدكتوراه في الجغرافيا السياسية، سيجد صعوبة في تفويت “الفرصة التاريخية” لقيادة إيران بشأن ما تصفه بـ”النصر العسكري” إلى نصر سياسي يحدد مكانتها الإقليمية والدولية بعد الحرب.
ومن وجهة نظره، فإن المفاوضات، إذا عقُدت، فستشكل جبهة إضافية لا تنفصل عن الجبهة العسكرية، وهو ينوي الانتصار فيها على مراحل: أولاً، تثبيت وقف إطلاق النار وفق الشروط التي تفرضها إيران، ثم بلورة اتفاق شامل.
• ومن هنا، فإن لبنان ليس مجرد قضية تتعلق بمستقبل حزب الله ومكانته في “حلقة النار”، أو مجرد اختبار لولاء إيران لحلفائها، وهي نتائج ربما تنعكس أيضاً على مستقبل الميليشيات الشيعية في العراق ونفوذ إيران في الدولة المجاورة، وهو أيضاً اختبار لقدرة إيران على الصمود في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى أساسه، سيُقاس نفوذها في المراحل المقبلة من المفاوضات مع الولايات المتحدة.
• في المقابل، تعرض إسرائيل، بدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الساحة اللبنانية كجبهة منفصلة ومستقلة وتكتيكية، كأنها غير مرتبطة بإيران. ووفقاً لهذا النهج، فإن الحرب ضد حزب الله تهدف إلى ضمان أمن سكان الشمال. والمفارقة أن إسرائيل، طوال فترة وجود حزب الله، كانت تؤكد، وبحق، أنه تنظيم إيراني، وجزء لا يتجزأ من النظام، يطوّر تهديداً وجودياً ضدها، بصفته أقوى حلقة في “محور النار”، ومن هنا، استنتجت أن إسقاط النظام في إيران فقط هو ما سيؤدي إلى انهيار شبكة وكلائه، وبالتالي إنهاء مكانة حزب الله كتهديد رئيسي.
• لكن، خلافاً لتوقعات إسرائيل، لم يسقط النظام الإيراني، بل بقيَ مستقراً ويعمل، وأصبح شريكاً شرعياً للحوار، في نظر ترامب؛ لذلك، اقتنع الرئيس بإدراج مطلب قطع علاقات إيران بوكلائها ضمن خطته المؤلفة من 15 نقطة، أي أنه إذا لم يكن إسقاط النظام ممكناً، أو مرغوباً فيه، فيجب تقليص نطاق نفوذه الإقليمي الذي يهدد، ليس فقط إسرائيل، بل أيضاً دول المنطقة وممرات الملاحة في الخليج والبحر الأحمر. إن استمرار الحرب في لبنان يمكن أن يحقق بعض الإنجازات التكتيكية، مثل تصفية قياديين، أو تدمير مخازن أسلحة، لكن على المستوى الاستراتيجي، جعلت إيران من لبنان جبهة مركزية تهدد خطة ترامب.
• نظرياً، وضعت إيران ترامب أمام معضلة: هل يستمر في دعم إسرائيل ومواصلة الحرب ضد حزب الله، مع خطر انهيار المفاوضات مع إيران قبل أن تبدأ، أم يفضل “الجائزة الكبرى” التي يأمل بتحقيقها من خلال الحوار مع النظام الذي سعى لإسقاطه سابقاً؟ لكن هذه المعضلة تلاشت سريعاً؛ لقد صمد موقف ترامب، ومفاده بأن لبنان جبهة منفصلة، مدة 24 ساعة فقط؛ بعد ذلك، طلب من بنيامين نتنياهو تقليص الهجمات على لبنان، ثم أعلن نتنياهو أنه أعطى توجيهاته بالبدء بمفاوضات مباشرة مع الحكومة اللبنانية لمناقشة نزع سلاح حزب الله والتوصل إلى اتفاق سلام.
• الآن، من غير المجدي محاسبة الخطاب المتشدد لرئيس الوزراء ووزير دفاعه، اللذين وعدا بـ”حرب حتى النهاية” وتفكيك حزب الله، لكن من المهم تحميل الحكومة مسؤولية فشل سياسي واضح، وسوء فهم للتحركات السياسية لكلٍّ من ترامب وإيران، وإضاعة فرصة قدمتها الحكومة اللبنانية عندما عرضت، قبل الحرب، البدء بمفاوضات مباشرة. رأت إسرائيل فقط ضعف الجيش اللبناني وعدم قدرته على نزع سلاح حزب الله، وقررت القيام بالمهمة بنفسها، لكن الجيش الإسرائيلي نفسه أوضح أن نزع سلاح الحزب بالكامل هدف غير واقعي، وأن الحل السياسي يمكن أن يقلّص حجم الخطر فقط.
في الواقع، كانت الحكومة اللبنانية مهيأة لحل سياسي، إذ أعلنت قبل أكثر من عام حصر السلاح في يد الدولة، وأنه لا يحق لأي جهة أُخرى حمل السلاح، وهو موقف جرّد حزب الله فعلياً من الشرعية العسكرية؛ كذلك اتخذت خطوات عملية، مثل نشر الجيش في الجنوب ومصادرة أسلحة ومواقع تابعة للحزب، وأصدرت أوامر باعتقال مَن يحمل سلاحاً غير مرخص.
لكن النتائج لم تكن مثالية؛ إذ واصل حزب الله ترسيخ وجوده في الجنوب، وعاد إلى العمل بشكل شبه كامل، مع هيكلية قيادية منظمة، وعلى الرغم من تراجُع قدراته، فإنه نجح في إدارة حرب استنزاف ضد الجيش الإسرائيلي، وضد بلدات داخل إسرائيل.
أمّا الرد الإسرائيلي، فاعتمد على إنشاء منطقة عازلة داخل لبنان، على غرار غزة، واعتبرها خط الدفاع الأساسي؛ كذلك تعاملت إسرائيل مع الحكومة اللبنانية مثلما تتعامل مع السلطة الفلسطينية، واعتبرت الجهود الدولية للتوصل إلى حل سياسي عائقاً أمام العمل العسكري. صحيح أن أي اتفاق مع لبنان لن يؤدي إلى نزع سلاح حزب الله بالكامل فوراً، وربما لن ينجح في ذلك تماماً، لكنه يمكن أن يؤسس لتنسيق أمني بين البلدين، يشمل تعاوناً استخباراتياً ضد الحزب وإيران، وتطوير الجيش اللبناني بدعم أميركي وأوروبي، وإنشاء آليات رقابة مشتركة على الحدود، وربما حتى التعاون العسكري، مثلما هي الحال بين إسرائيل ومصر، أو الأردن.
ومع انتقال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران من الطابع العسكري إلى السياسي، تتغير الأولويات، وتبدأ “لعبة محصلتها صفر”، إذ يُعتبر كل إنجاز سياسي لإيران خسارة لإسرائيل والولايات المتحدة. لقد أدركت إيران سريعاً الفرصة التي تتيحها الحرب في لبنان، وسعت لاستغلالها عبر المفاوضات مع الولايات المتحدة، لتبدو كأنها ممثل للبنان أيضاً. وصرّح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: “لن نتخلى عن إخوتنا وأخواتنا في لبنان،” في إشارة لا تقتصر على حزب الله، أو الطائفة الشيعية فقط.
لكن الرئيس اللبناني جوزاف عون رفض هذا التوجه بشدة، مؤكداً أن “الحكومة اللبنانية وحدها هي التي تقرر بشأن المفاوضات.” ومع ذلك، حتى الآن، لم يكن لديه شريك إسرائيلي لمنع محاولة إيران فرض نفوذها مجدداً. ومع ذلك، يجب التعامل مع التحول في موقف نتنياهو بحذر، فالتجربة تشير إلى فجوة كبيرة بين تصريحاته وتنفيذها. وفي النهاية، ستعتمد النتائج على مدى إصرار ترامب على تحويل لبنان إلى إنجاز سياسي إضافي في مواجهته مع إيران.
المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية
