بقلم آرييه أرليخ – كاتب إسرائيلي – • لنبدأ من النهاية؛ خلافاً للتحليلات والتقديرات المتعددة المنتشرة في هذه الأيام على الساحة السياسية، وفي الإعلام، فإن الأزمة بين الأحزاب الحريدية ومعسكر اليمين بقيادة نتنياهو عميقة وحقيقية. ومثلما قال الزعيم المسن الحاخام دوف لاندو: “لم يعُد لدينا ثقة برئيس الحكومة. لم نعُد نشعر بأننا شركاؤه، ولسنا مُلزمين تجاهه. كل الحديث عن الكتلة لم يعد قائماً.” • يكمن خلف هذا الشرخ غير المسبوق إحباط عميق في الشارع الحريدي إزاء ما يُنظر إليه هناك باعتباره الحاجة الوجودية الأكثر إلحاحاً: استمرار وجود عالم المعاهد الدينية (اليشيفوت) بصيغته التقليدية القديمة، تلك التي تسمح لكل طالب توراة حقيقي بالبقاء في المعهد والانشغال بدراسته التلمودية؛ هذا هو الإيمان الأعمق والأكثر تجذّراً في الفكر الحريدي. • لقد نُظمت قدرة الشبان الحريديم على دراسة التوراة في دولة اليهود قانونياً طوال عقود، إلى أن جاءت المحكمة العليا وأبطلت ذلك. ومن دون تسوية قانونية لهذه القضية، لا يكاد يكون هناك مبرر لوجود الأحزاب الحريدية أصلاً. • نتنياهو يفهم ذلك، وكذلك فهِمه معسكر اليسار أكثر من مرة، حين طُرح على الحريديم في محطات سياسية عديدة إعفاء كامل وشامل لجميع طلاب المعاهد الدينية من التجنيد، في مقابل الانضمام إلى ائتلاف وسط – يسار، لكن الشارع الحريدي شعر في الأعوام الأخيرة بأنه متماهٍ مع نتنياهو، لذلك طالب بالشراكة مع المعسكر الذي يقوده، ومن هنا نشأت “الكتلة” التي أُقيمت في بداية جولات الانتخابات الخمس المتتالية، والتي كان من مهندسيها موتي بابتشيك ورؤساء الأحزاب الحريدية؛ غير أن هذه الكتلة اتضح في الأعوام الأخيرة أنها أحادية الجانب. • فقط الآن، بعد أربعة أعوام من المماطلة المعتادة عبر ذرائع عديدة، وعندما أصبحت الانتخابات تلاحقه، نظر نتنياهو مباشرة إلى شركائه الحريديم، ربما كخطوة ضمن حملة انتخابية، وقال بصوت عالٍ ما كان الجميع يعرفه همساً: “ليس لديّ رغبة في الدفع بالقانون قدماً.” • إن تفكُّك هذا التحالف ليس أمراً سهلاً بالنسبة إلى الجمهور الحريدي، فالجيل الحريدي الشاب، في معظمه، يتماهى مع رئيس الحكومة، ولذلك يُعدّ هذا تطوراً بعيد المدى، وانكشف نتنياهو كشخص استنزف الشراكة الائتلافية حتى نهايتها، فاستغل ولاء الأحزاب الحريدية القائلة إنه “ليس لديها مَن تتوجه إليه” من أجل الحفاظ على ائتلاف يعمل في اتجاه واحد: الأحزاب الحريدية كانت شبكة الأمان للحكومة، لكن مطلبها بتسوية قانون التجنيد لم يتحقق، ويبدو كأنه لم يكن هناك نية حقيقية لتحقيقه أصلاً. • على الصعيد السياسي، يعتقد نتنياهو أن إسقاط الحكومة، على خلفية قانون التجنيد، تطور جيد بالنسبة إليه، والرسالة الضمنية هي: أنا لم أخضع للحريديم، ولذلك يا معسكر التغيير، توقفوا عن حملة التجنيد، ومن وجهة نظره، فإن ثمن الأزمة مقبول، بل ربما يكون مثالياً، إذ سيتم تقديم موعد الانتخابات مدة شهرين، أو ثلاثة على الأكثر، عن الموعد الأصلي، مع التخلص من حملة “التهرب من الخدمة”. • لكن رئيس الحكومة أخطأ مرتين: المرة الأولى، لأن خصومه لن يتوقفوا عن مهاجمته بسبب قضية التجنيد، بل على العكس، فعلى الأرجح أنهم سيُطلقون حملة جديدة تقول إن نتنياهو وعد الحريديم بالإعفاء من التجنيد بعد الانتخابات مباشرة. صوّتوا لنا لكي نمنع ذلك. • أمّا الخطأ الثاني، فهو أن الأزمة، ورسالة القيادة الحريدية، والعناوين التي تتحدث عن تفكّك المعسكر، أمور كلها تشكل دفعة هائلة لمعسكر معارضي نتنياهو؛ فهذا المعسكر سيندفع مجدداً وينظّم قواه كلها ضمن ما يبدو كأنه زخم لا يجوز تفويته؛ لذلك، هذه الغلطة الهائلة من نتنياهو تعكس قصر نظرٍ مقلقاً. • أكتب هذه السطور من بوينس آيرس، حيث أقوم بمهمة صحافية لتغطية رحلة قادة روحيين ورؤساء معاهد دينية حريدية لجمع تبرعات بديلة لعالم التوراة، بعد أن أوقفت المحكمة العليا تمويل الدولة؛ وفي شارع الإكوادور في بوينس آيرس، تجمّع الآلاف من أبناء الجالية الحريدية، وهم يهتفون للقادة المسنين الذين جاؤوا لضمان ازدهار المعاهد الدينية. وأُقيمت في بداية الأسبوع فعاليات مشابهة في ساو باولو، ومن المتوقع أن تستمر الجولة. إن هذا الشعور بالطوارئ، وإن كان مفيداً لجمع الأموال البديلة، لكنه حقيقي، ويشمل العالم الحريدي الدولي بأسره. ويمكن أيضاً العثور عليه في الرسالة المكتوبة بخط يد الزعيم الديني دوف لاندو، وفي كلماته الواضحة التي أعلن فيها فقدانه الثقة بنتنياهو. المصدر: صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية – نقلاً عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية Post Views: 2 تصفّح المقالات كيف استعدت الصين لأزمة الغذاء العالمية الراهنة؟