ترامب عالق بين لبنان وإيران، وإسرائيل يمكن أن تدفع الثمن إزاء حزب الله

بقلم تسفي برئيل – محلل سياسي إسرائيلي –

• إن التقرير الأولّي الذي نُشر أمس بشأن توصُّل الولايات المتحدة وإيران إلى الاتفاق على صيغة “مذكرة تفاهُم”، بانتظار مصادقة دونالد ترامب، لا يوضح ما الذي تحقق فعلاً، وما الذي لا يزال محل خلاف، وما هو جدول أعمال المفاوضات التي يُفترض أن تُدار خلال ستين يوماً من وقف إطلاق النار، وهل إيران مستعدة لإخراج اليورانيوم المخصّب من أراضيها، وما هو المقابل الذي ستحصل عليه؟

• يبدو كأن تبادُل الضربات بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام الثلاثة الأخيرة لا يُعتبر، حتى الآن، خرقاً لوقف إطلاق النار، الذي يتّسم – على غرار لبنان وغزة – بمرونةٍ تهدف إلى التوفيق بين الحاجة التكتيكية إلى إظهار “الحزم العسكري”، حتى من دون هدف استراتيجي واضح، وبين الرغبة في عدم عرقلة فرص التوصل إلى مسار سياسي غامض المعالم.

• على الساحة الإيرانية، لا يزال الحوار الدبلوماسي المكثف مستمراً، ويجري تبادُل المسودات بين الطرفين، وتُنشر بنودٌ منها بشكل جزئي، قبل أن تُنفى خلال ساعات، أو حتى دقائق، ولا يزال من غير الواضح ما الذي تم الاتفاق عليه، وما هي الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوُزها.

• أمّا على الساحة اللبنانية، فمن المتوقع أن تُستأنف اليوم المحادثات العسكرية بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني، على أن يُعقد لقاء سياسي إضافي في الثاني من حزيران/يونيو، بينما لا تزال مواقف الولايات المتحدة والنتائج المطلوبة غير واضحة؛

وفي غزة، تواصل إسرائيل السيطرة على أجزاء إضافية من القطاع، في حين أن “مجلس السلام” على وشك الإفلاس بسبب نقص التمويل، و”حماس” لا تنوي التخلّي عن سلاحها، أو حتى اقتراح آلية لذلك، وليس معروفاً ما إذا كانت الولايات المتحدة قررت الانسحاب من “المشروع”، وما هي حدود الصلاحيات التي ستمنحها لإسرائيل في حال فشلت الجهود الدبلوماسية.

• هذه الساحات كلها بدأت بأحلام كبيرة باتفاقيات وتحالفات وتغييرات جذرية تعيد تشكيل الشرق الأوسط، لكنها حتى الآن، لم تحقق سوى إنجازات تكتيكية محدودة لا ترقى إلى “التحول التكتوني” المأمول.

• إن غياب الاستراتيجيا ليس مشكلة إسرائيل وحدها؛ فالولايات المتحدة أيضاً غارقة في حملة عسكرية مرتبكة لا تعرف إلى أين تتجه؛ ففي مقدمة هذه الساحات، يتم تقديم الخيار العسكري كتهديد جاهز للتنفيذ، في حال لم يتم التوصل إلى حلّ سياسي، لكن هذا التهديد لم يعُد يُخيف كثيراً، وخصوصاً بعد استخدامه من دون تحقيق نتائج حاسمة.

• إن الحشد العسكري الأميركي الضخم في المنطقة كان من المفترض أن يردع إيران ويدفعها إلى الاستسلام، لكنه تحوّل في النهاية إلى حربٍ زادت في تعقيد الموقفين الأميركي والإسرائيلي؛ أمّا الافتراضات التي تحدثت عن احتمال انهيار النظام الإيراني، أو انهيار الاقتصاد الإيراني، أو خروج الجماهير لإسقاط النظام، فثبُت أنها خاطئة.

• وبدلاً من ذلك، سيطرت إيران على مضيق هرمز وحوّلته إلى سلاح استراتيجي أجبر ترامب على التراجع عن معظم أهداف الحرب الأولى، والاكتفاء بالسعي لتقليص القدرات النووية الإيرانية، وهو هدف ربما كان يمكن تحقيقه لو استمرت جولات التفاوض التي سبقت الحرب.

• الآن، لا يزال ترامب يلوّح بتهديد “التدمير”، لكن هذا التهديد يُستخدم أساساً لدفع المسار الدبلوماسي نحو التوصل إلى ورقة لا تُعتبر اتفاقاً رسمياً، بل مجرد مذكرة تفاهُم، تمهيداً غير مضمون لاتفاقٍ يرافقه تعقيد كبير يتعلق بمضيق هرمز.

• في المقابل، وعلى الرغم من الإنجازات فيما يتعلق بتقليص القدرات العسكرية الإيرانية، فإن قدرة ترامب السياسية ونفوذ الولايات المتحدة، حتى على حلفائها الخليجيين، شهدا تراجعاً. ومن أبرز الأمثلة لذلك تهديده هذا الأسبوع بـ”قصف عُمان” إذا وقّعت اتفاقاً مع إيران بشأن إدارة مشتركة لمضيق هرمز.

• وسلطنة عُمان ليست مجرد حليف أميركي، بل هي عضو في مجلس التعاون الخليجي، وقامت بدور الوسيط الأساسي في جميع جولات التفاوض؛ وعلى الرغم من أن دول الخليج لم تردّ علناً على هذا التهديد، فإنها تدرك أن تهديد دولة واحدة منها يعني تهديد الجميع، والمفارقة أن ترامب نفسه ربما يضطر في نهاية المطاف، ضمن إطار المفاوضات، إلى توقيع ترتيبٍ ما مع إيران لإعادة استئناف الملاحة في المضيق.

• وحتى إذا فشلت الجهود الدبلوماسية بالكامل، فيبقى السؤال: ما هي الخطوة العسكرية التي يعتقد ترامب أنها قادرة على إحداث تحوّلٍ في إيران؟ وكيف سيمنع إغلاق الخليج، أو تلويث مياهه بالنفط الإيراني، الأمر الذي يمكن أن يسبب كارثة بيئية ضخمة؟

• في سنة 1991، وخلال حرب الخليج، أمرَ صدام حسين بضخّ ملايين البراميل النفطية في مياه الخليج لمنع القوات الأميركية من تنفيذ إنزالٍ بحري. حتى من دون هذا التهديد، اعترف ترامب بأنه امتنع من مهاجمة إيران، استجابةً لطلباتٍ من السعودية والإمارات وقطر، التي تخشى من ردّ إيراني يمكن أن يعطل منشآت تحلية المياه والكهرباء، ويضرب المطارات والمفاعلات النووية.

• ومن هنا، يبدو كأن أدوات الضغط كلها، إلى جانب عدم اليقين بشأن نتائج أي مواجهة واسعة مع إيران، تدفع ترامب إلى التركيز على هدف أساسي واحد: إخراج اليورانيوم من إيران، وهو أيضاً هدف لا يزال تحقيقه غير مضمون.

 • إيران، من جهتها، كانت أوضحت قبل الحرب استعدادها لتخفيف نسبة تخصيب اليورانيوم، بل أبدت استعداداً لمناقشة إنشاء كونسورتيوم إقليمي لتخصيب اليورانيوم تشارك فيه، على أن تستمر عمليات التخصيب داخل الأراضي الإيرانية، وهو الشرط الذي أدى إلى إسقاط الفكرة.

• إن تقليص أهداف الحرب إلى ملفين فقط – البرنامج النووي وفتح مضيق هرمز – مع التخلّي عملياً عن محاولة كبح برنامج الصواريخ الباليستية، أو قطع العلاقة بين إيران وحلفائها في العراق ولبنان واليمن، جعل ترامب أسيراً لمعادلة “وحدة الساحات” التي فرضتها طهران.

• هذه المعادلة تعني أن أي وقف لإطلاق النار سيشمل جميع الساحات، بما فيها الساحة اللبنانية، حيث تُدار حرب محدودة بضوابط دقيقة، وحتى العمليات التكتيكية فيها تحتاج إلى موافقة أميركية مسبقة، وهذا يطرح علامة استفهام كبيرة بشأن طموح ترامب إلى التوصل إلى اتفاق أمني وسياسي شامل بين إسرائيل ولبنان، لأن هناك تناقضاً داخلياً يصعب حلّه.

• فترامب يطالب الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، وهو ما يعني عملياً مواجهة عسكرية حتمية بين الجيش اللبناني والحزب. والحكومة اللبنانية، على الرغم من تبنّيها سياسة غير مسبوقة تنزع الشرعية العسكرية عن حزب الله، وتؤكد احتكار الدولة للسلاح، تسعى للتوصل إلى تفاهُم مع الحزب، وهو أمر يبدو كأنه غير واقعي حالياً، لكن ترامب يهدد بأنه إذا لم تتحرك الحكومة اللبنانية لنزع السلاح، فسيسمح لإسرائيل بـ”فتح أبواب الجحيم” على لبنان.

• وهنا، سيجد ترامب نفسه مجدداً أمام فيتو إيراني يمكن أن يهدد بتجميد المفاوضات بشأن الملفات الإيرانية الأُخرى؛ وربما تجد إسرائيل نفسها أمام رئيس أميركي مضطر إلى الاختيار بين اتفاق مع إيران، أو نزع سلاح حزب الله، بينما تبدو الإجابة كأنها واضحة مسبقاً.

• ولا يزال من غير المعروف ما إذا كانت “ورقة التفاهم” التي تحدثت عنها التقارير أمس، وتشمل وقف إطلاق نار مدة ستين يوماً، تتطرق أيضاً إلى الساحة اللبنانية، وبأي شكل.

• لكن إذا التزمت إيران إجبار حزب الله على وقف النار، فربما تجد إسرائيل نفسها أمام واقعٍ مألوف من جولات القتال السابقة في لبنان: وقف إطلاق نار متبادل يسمح لحزب الله بإعادة ترميم قوته والاستعداد للجولة المقبلة.

• ويمكن أن يكتفي ترامب بتقديم ذلك كإنجاز سياسي و”سلام” جديد، بينما تبقى إسرائيل رهينةً للمفاوضات الأميركية الإيرانية، ويستفيد حزب الله من الهدوء لترميم قدراته والتأثير في أي مفاوضات مستقبلية بين لبنان وإسرائيل؛ والنتيجة حتى الآن، أن ترامب، بدلاً من الدفع نحو اتفاق استراتيجي بين إسرائيل ولبنان، أصبح هو نفسه جزءاً من “حلقة النار” التي تحمي أهم أذرع إيران في لبنان.

• ومع ذلك، يستطيع ترامب فكّ هذه الحلقة، إذا قرّر تعزيز الحكومة اللبنانية، وتقديم دعم عسكري ومالي كبير للجيش اللبناني، وفرض جدول أعمالٍ لاتفاقٍ مع إسرائيل يشمل مراحل انسحاب إسرائيل من لبنان، والتأكيد أن وجودها هناك غير دائم، لكنه مرتبط بتفاهمات بين الدولتين.

• إن مثل هذا المسار لن يؤدي إلى نزع سلاح حزب الله فوراً، إلّا أنه يمكن أن يساعد على استكمال الانفصال الرسمي للبنان عن إيران؛ لكن يبدو كأن ترامب يفضّل أيضاً هنا الخيار التكتيكي الذي يضع نزع سلاح حزب الله كهدف أعلى، على الرغم من أنه هدف غير واقعي حالياً.

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *