بقلم ألوف بن – محلل سياسي إسرائيلي – • كان لبنان القبر السياسي لبنيامين نتنياهو خلال ولايته الأولى [1996-1999]. صحيح أن التورط هناك لم يكن من صنعه، بل ورث من أسلافه الحزام الأمني في الجنوب اللبناني، والمواقع العسكرية التي كانت عرضةً للهجمات، والخسائر البشرية المستمرة، لكنه أخفق في استيعاب التغييرالذي طرأ على المزاج الإسرائيلي العام، بعد كارثتَي المروحيتين ووحدة الكوماندوس البحرية في سنة 1997، اللتين عززتا الشعور بأن البقاء في لبنان بلا جدوى، وأعطتا زخماً لحركة الاحتجاج المعروفة باسم الأمهات الأربع. • فكّر نتنياهو، آنذاك، في الانسحاب من الشريط الأمني، لكنه لم يجرؤ على اتخاذ القرار؛ أمّا منافسه إيهود باراك، ففهم اللحظة واستغل الفرصة. وقبل انتخابات 1999 بأشهر قليلة، أعلن في مقابلة تلفزيونية أنه إذا انتُخب رئيساً للوزراء، فسيسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان خلال عام واحد، وهذا الموقف شكّل نقطة التحول في حملته الانتخابية. فهزم باراك نتنياهو، وعلى نحو نادر في السياسة الإسرائيلية، ووفى بوعده، وقاد الانسحاب الأحادي من لبنان في أيار/مايو 2000، بعد أقل من عام من تولّيه المنصب. • يرى اليمين الإسرائيلي أن الانسحاب من لبنان كان تراجعاً مُذلاً أضعفَ إسرائيل، وعزّز قوة حزب الله، وشجّع الفلسطينيين على الانتفاضة الثانية، فضلاً عن أن إخفاق إسرائيل في حرب لبنان الثانية [تموز/يوليو 2006]، وتعاظُم قوة حزب الله بعد ذلك، استُخدما لتأكيد هذه الرواية. • لكن على الرغم من الخطاب المتشدد والتحذيرات المستمرة من تنامي قوة حزب الله، فإن نتنياهو حافظ على الوضع القائم طوال أعوام، وتجنّب التورط العسكري الواسع في الجبهة الشمالية. • لكن حرب السابع من أكتوبر والنجاحات العملياتية ضد حزب الله، بما فيها عمليات تفجير أجهزة النداء (البيجر) واغتيال حسن نصر الله، أثارت شهية نتنياهو وحلفائه في الائتلاف ورئيس الأركان إيال زامير لتحقيق أهداف إقليمية أوسع. وقرروا تكرار نموذج النكبة في سنة 1948 والنكبة الثانية في قطاع غزة لاحقاً، في الجنوب اللبناني، بتهجير السكان وتدمير القرى هناك وتحويل الشيعة إلى لاجئين، بينما يُطلب من الدروز والمسيحيين البقاء، على غرار ما حدث في الجليل بعد حرب 1948. • وعلى نقيض المنطقة الأمنية السابقة، حيث عمل الجيش الإسرائيلي مع السكان اللبنانيين، جنباً إلى جنب، نشهد هذه المرة استعداداتٍ لاحتلالٍ طويل الأمد وتوسيعٍ لحدود إسرائيل. هذه المرة، يقاتل حزب الله دفاعاً عن مناطقه وسكانه، ويُظهر براعة عملياتية في مواجهة العسكري الإسرائيلي، على غرار ما كان عليه الوضع في تسعينيات القرن الماضي. وأثبت نعيم قاسم، خليفة حسن نصر الله، الذي اعتُبر في إسرائيل شخصية ضعيفة نسبياً، أنه خصم قوي لا يقلّ شأناَ عن سلفه. • لا تقتصر مشكلة إسرائيل على إيجاد حلولٍ تقنية للطائرات المسيّرة، بل تتعلق بمقتل الجنود في حربٍ توصف بأنها تفتقر إلى الجدوى الاستراتيجية. ولا يمكن لأي صورة انتصار إخفاء هذا الفشل، حتى صوَر السيطرة على مواقع، مثل قلعة الشقيف، أو قصف المباني في بيروت. ولن تجني إسرائيل أي فائدة حقيقية من احتلال الجنوب اللبناني. • وهنا تكمن الفرصة السياسية أمام غادي أيزنكوت. فهو وحده قادر على إقناع الجمهور الإسرائيلي بإنهاء الحرب والخروج من “المستنقع اللبناني”، ومن حالة الاستنزاف على الجبهات الأُخرى، وذلك بفضل خبرته العسكرية وشخصيته الحكيمة؛ أمّا منافسه في كتلة التغيير نفتالي بينِت، فيسخر من نتنياهو، واصفاً إياه بالجبان لأنه لا يجرؤ على قصف الضاحية؛ من أجل ماذا يا بينِت؟ هل البديل الذي تقدّمه لحكومة نتنياهو وبن غفير هو ” ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بمزيدٍ من القوة؟” • لقد أمضى أيزنكوت أعواماً في الحياة السياسية من دون رسالة واضحة، لكنه يملك الآن الفرصة ليصبح “رجل اللحظة”، تماماً مثلما فعل باراك في سنة 1999، وأن يقود إنهاء الحرب بشروطٍ مناسبة لإسرائيل، وربما من خلال تحويل لبنان مرةً أُخرى إلى القبر السياسي لنتنياهو. المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية Post Views: 5 تصفّح المقالات يديعوت أحرونوت: بين التحالف مع الولايات المتحدة والاعتماد عليها