خاص شؤون آسيوية – بقلم هدى علي* في نيودلهي لم يكن المشهد مجرد قمة جديدة لدول بريكس، ولا مجرد اجتماع لقادة يبحثون في التجارة والاقتصاد. خلف الكلمات الدبلوماسية الهادئة، كان هناك سؤال أكبر يطل من بين السطور، من سيملك القدرة على التأثير في شكل العالم حين تتغير قواعد اللعبة؟ في ختام قمة بريكس التي انعقدت في الهند يومي 12 و13 سبتمبر، بدت الصين وكأنها تتحرك بخطوات محسوبة نحو توسيع نفوذها داخل تكتل بات يضم إحدى عشرة دولة، ويمتد حضوره إلى آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، ومع انتقال رئاسة بريكس إلى الصين واستضافتها القمة المقبلة، تحصل بكين على مساحة إضافية لتحديد أجندة التكتل وتوجيه أولوياته، لكن أهمية ما حدث لا تكمن في الرئاسة وحدها. بكين تغيّر أدوات المنافسة: الصين لم تطرح في القمة مشروعًا سياسيًا صريحًا لمواجهة الولايات المتحدة، لكنها دفعت باتجاه شيء أكثر تعقيدًا، بناء منظومة تستطيع الحركة بعيدًا عن مركز القوة الغربي التقليدي. الرئيس الصيني شي جين بينغ دعا إلى تعزيز التعاون بين دول بريكس في التجارة والتمويل والذكاء الاصطناعي، وأعلن عن مبادرات صينية في مجال الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، إلى جانب الدفع نحو تعاون أكبر في التجارة والخدمات، وهنا تبدو المسألة أبعد من التكنولوجيا. فمن يملك التكنولوجيا يمتلك جزءًا من مستقبل الاقتصاد، ومن يملك سلاسل الإمداد والتمويل والأسواق يمتلك أدوات ضغط سياسية لا تقل أهمية عن الأدوات العسكرية. لهذا فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب أجندة بريكس ليس تفصيلًا تقنيًا، إنه إشارة إلى أن الصراع على النفوذ الدولي انتقل من الموانئ والحدود فقط إلى البيانات والخوارزميات والمنصات الرقمية. بريكس، من تجمع اقتصادي إلى مساحة سياسية؟ لطالما ارتبط اسم بريكس بالاقتصادات الصاعدة، لكن التوسع الكبير في عضويته جعل التكتل أكثر حضورًا في الحسابات الجيوسياسية. والقمة الأخيرة كشفت شيئًا مهمًا، هذه الدول ليست متطابقة في مواقفها، لكنها تشترك في رغبة متزايدة في إعادة صياغة بعض قواعد النظام الدولي. الإعلان الختامي دعا إلى عالم متعدد الأقطاب، وإصلاح مؤسسات دولية، وتعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة، وتطوير أنظمة دفع عابرة للحدود، إضافة إلى التعاون في الطاقة والغذاء والذكاء الاصطناعي، وهذا لا يعني أن بريكس أصبح بديلًا جاهزًا للنظام الغربي ولا أن الولايات المتحدة فقدت نفوذها. لكن الرسالة السياسية واضحة، هناك دول لم تعد تريد أن تكون مجرد متلقية للقواعد التي يضعها الآخرون. الصين والهند، الخصومة التي تحتاج إلى شراكة: ولعل أحد أكثر مشاهد القمة دلالة كان اللقاء بين الرئيس شي جين بينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. العلاقة بين بكين ونيودلهي ليست سهلة، هناك خلافات حدودية ومنافسة على النفوذ الآسيوي، وتفاوت تجاري، إلى جانب تقارب هندي متزايد مع الولايات المتحدة. ومع ذلك جلس الرجلان إلى طاولة واحدة للحديث عن تخفيف التوتر وإدارة الخلافات، وكان لافتًا أن اللقاء جاء في أول زيارة لشي إلى الهند منذ سبع سنوات. قد لا يعني ذلك انتهاء المنافسة بين البلدين لكنه يكشف براغماتية سياسية مهمة. ففي عالم مضطرب قد لا تحتاج القوى الكبرى إلى أن تحب بعضها، يكفي أن تدرك أن مصالحها تفرض عليها الحديث. وهذا بالضبط ما تحتاجه الصين داخل بريكس، تكتل واسع لا يخلو من التناقضات، لكنه يستطيع أن يمنحها مساحة أوسع للتأثير. الشرق الأوسط حاضر في الحسابات: ولم يكن الشرق الأوسط بعيدًا عن المشهد. فالقمة انعقدت في ظل تصاعد التوترات والحرب في المنطقة، وهو ما دفع دول بريكس إلى الدعوة لخفض التصعيد، بينما دعا الرئيس شي إلى دور أكبر للتكتل في الدفع نحو السلام. وهنا تحاول الصين تقديم نفسها ليس فقط كشريك اقتصادي للدول النامية، وإنما كقوة قادرة على لعب دور سياسي في الملفات الدولية، لكن هذا الدور سيظل موضع اختبار. فالتأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد البيانات التي تصدر عن القمم، بل بالقدرة على تحويلها إلى نتائج ملموسة. هل تستطيع الصين تغيير ميزان القوة؟ ربما يكون من المبكر الحديث عن نهاية الهيمنة الأميركية، أو عن انتقال القيادة العالمية إلى الصين. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك شبكة تحالفات واسعة، وقوة مالية وعسكرية وتكنولوجية هائلة، كما أن بريكس نفسه ليس تحالفًا عسكريًا ولا كتلة متجانسة. فبين أعضائه خلافات ومصالح متعارضة، وبعضهم يحتفظ بعلاقات استراتيجية قوية مع واشنطن، لكن التحول الحقيقي قد لا يكون في استبدال قوة بأخرى، ربما يكون في توزيع القوة نفسها. فهذا عالم لم تعد فيه دولة واحدة قادرة على تحديد اتجاه الجميع، بل مجموعة قوى تتنافس وتتفاوض وتتقاطع مصالحها في الوقت نفسه، وهنا تبدو الصين أكثر استعدادًا لهذا العالم. إنها لا تتعجل إعلان الانتصار، ولا تحتاج بالضرورة إلى مواجهة مباشرة مع الغرب، إنها تبني شبكة طويلة الأمد من العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية، وتراهن على أن النفوذ الذي يُبنى بالتدريج قد يكون أكثر دوامًا من النفوذ الذي يُفرض بالقوة. ومع انتقال رئاسة بريكس إلى بكين، ستكون أمام الصين فرصة لاختبار قدرتها على تحويل هذا النفوذ إلى تأثير حقيقي. فالعالم لا يتغير في يوم واحد لكنه أحيانًا يكشف اتجاهه من قمة واحدة، وقمة نيودلهي ربما لا تكون إعلانًا عن ولادة نظام عالمي جديد، لكنها بالتأكيد تكشف أن هناك دولًا كبرى لم تعد تريد الاكتفاء بالعيش داخل النظام القائم. أما الصين فيبدو أنها اختارت موقعًا أكثر طموحًا، أن تكون من بين الذين يكتبون قواعد المرحلة المقبلة، لا ممن يكتفون بقراءتها. *صحافية سورية. Post Views: 7 تصفّح المقالات غزة بعد نكبتين.. الدور المصري بين الماضي وآفاق المستقبل