فهم الاقتصاد الصيني (34): هل ستسهم قناة بينغلو في تفاقم العجز التجاري بين آسيان والصين؟ /صحيفة الشعب اليومية أونلاين/ 2026:10:16.14:31 روابط ذات العلاقة فهم الاقتصاد الصيني (33): التهويل الغربي للفائض التجاري الصيني يكشف مغالطات في تشخيص الأسباب الحقيقة قناة بينغلو تعزز الربط والتعاون المتبادل النفع بين الصين والآسيان تُعد قناة بينغلو، مع دخولها حيز التشغيل الرسمي، أحدث مشروع بارز لتعزيز الربط بين الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، كما تمثل مشروعاً إقليمياً يُنتظر أن يحقق منافع مشتركة لدول المنطقة. ومع ذلك، أثار المشروع، منذ انطلاق أعمال إنشائه، انتقادات من بعض الأوساط الغربية وفي عدد من دول آسيان. إذ يرى منتقدوه أن خفض تكاليف النقل والخدمات اللوجستية بشكل كبير، ستؤدي إلى تدفق السلع الصينية إلى أسواق آسيان، مما قد يتسبب في “اختلال” في التبادل التجاري بين الصين وآسيان، ويفرض تحديات أمام تنمية الصناعات المحلية في جنوب شرق آسيا. تستند هذه المخاوف إلى واقع اقتصادي وتجاري إقليمي معين، لكن المنطق الكامن وراءها يتسم بتبسيط مفرط. فمن المعروف جيداً أنه منذ عام 2020، ظلت الصين ودول رابطة آسيان أكبر شريك تجاري لبعضهما البعض بشكل مستمر. وتتداخل سلاسلهما الصناعية بشكل وثيق، حيث تشكل السلع الوسيطة أكثر من 60% من حجم التجارة الثنائية بينهما. وفي الوقت ذاته، تحقق العديد من دول آسيان فوائض تجارية كبيرة مع الولايات المتحدة وأوروبا، بينما تسجل عجزاً تجارياً في تعاملاتها مع الصين. إذن، هل ستسهم قناة بينغلو في تفاقم العجز التجاري بين آسيان والصين؟ إن نظرة كهذه تُعد أحادية الجانب بوضوح، وذلك لسببين: ـ أولاً، يتشكّل المشهد الراهن للتجارة بين الصين ودول رابطة دول جنوب شرق آسيا في ضوء تقسيم العمل الإقليمي القائم ضمن سلاسل التوريد الصناعية، وليس بفعل قناة بينغلو. فالتجارة الثنائية بين الصين ودول آسيان، وأنماط تقسيم العمل فيما بينها، لا يمكن النظر إليهما بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، إذ يشكّلان جزءاً لا يتجزأ من منظومة راسخة لتقسيم العمل الثلاثي، ومن سلاسل التوريد الصناعية العالمية. ومن ثم، فإن افتتاح القناة لن يغيّر المزايا الصناعية النسبية لدول المنطقة، ولن يؤدي تلقائياً إلى نشوء اختلالات تجارية. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن العديد من دول آسيان تحقق فوائض تجارية مع الأسواق الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة وأوروبا، ويعتمد جزء كبير من هذه الفوائض على وارداتها من الصين من السلع الوسيطة والمكوّنات والآلات. فغالباً ما تضطلع دول آسيان بمراحل التصنيع والمعالجة والتجميع، مستفيدةً من سلاسل التوريد الصينية لتوفير المواد الخام والمكوّنات اللازمة، قبل تصدير المنتجات النهائية إلى الأسواق الغربية. ونتيجة لذلك، يتّسم الهيكل التجاري لبعض دول آسيان بوجود عجز في الميزان التجاري مع الصين، يقابله فائض في تجارتها مع الأسواق الغربية. ويعكس هذا النمط طبيعة تقسيم العمل الإقليمي القائم، وترابط الاقتصادات ضمن سلاسل التوريد الصناعية. ومن هذا المنطلق، فإن ما ستوفره القناة من كفاءة أكبر في النقل والخدمات اللوجستية سيتيح لدول آسيان الاستفادة بصورة أفضل من سلاسل التوريد الإقليمية، وتعزيز قدرتها على توسيع صادراتها إلى أسواق خارجية جديدة. ومن شأن ذلك أن يدعم التكامل الصناعي الإقليمي، ويعزز فرص تحقيق مكاسب مشتركة لجميع الأطراف على امتداد السلسلة الصناعية الإقليمية. ثانيًا، تُشكّل قناة بينغلو، بوصفها منفعة عامة تهدف إلى تعزيز الترابط في البنية التحتية الإقليمية، ممراً مائياً منخفض التكلفة ومتاحاً على قدم المساواة أمام جميع الكيانات التجارية على جانبي مسارها، دون أن تقتصر الاستفادة منها على المصدّرين الصينيين. فإلى جانب تسهيل نقل البضائع الصينية نحو الجنوب، تتيح القناة أيضاً لدول رابطة دول جنوب شرق آسيا شحن منتجاتها الزراعية والمعدنية والأخشاب والمكوّنات الصناعية إلى الأسواق الصينية الضخمة في المناطق الداخلية، سواء الاستهلاكية منها أو الإنتاجية، فضلاً عن إمكانية الاستفادة منها بوصفها بوابة للوصول إلى أسواق أوراسيا الأوسع. وفي ظل تجاوز معدل النمو السنوي لواردات الصين معدل نمو صادراتها على أساس شهري لمدة ستة أشهر متتالية، يتعزز دور الصين بوصفها محركاً رئيسياً للتجارة والنشاط الاقتصادي على المستويين الإقليمي والعالمي. ومن هذا المنطلق، يُتوقع أن تسهم قناة بينغلو في تيسير زيادة واردات الصين من دول آسيان، بما يعزز انسياب التجارة بين الجانبين. وفي الوقت نفسه، يشهد التخصص في سلاسل القيمة الصناعية تحولات مستمرة، إذ تسعى دول آسيان بنشاط إلى الارتقاء بمستوياتها الصناعية، بالتوازي مع التحسن المطّرد في قدراتها على تصدير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية وأسعار الشحن الدولي ومعدلات التضخم، وما يترتب على ذلك من زيادة الأعباء التشغيلية وتراجع هوامش الربح لدى الشركات في المنطقة، تأتي قناة بينغلو لتوفر خياراً للنقل منخفض التكلفة في توقيت بالغ الأهمية. ومن شأن هذا الممر المائي أن يشكّل حافزاً لتطوير قطاع التصنيع في دول آسيان، من خلال تسهيل وصول المنتجات المصنّعة محلياً إلى الأسواق الصينية الداخلية الواسعة، وتعزيز قدرتها التنافسية في تلك الأسواق. وعلى المدى الطويل، من شأن افتتاح قناة بينغلو أن يعزز التبادل التجاري بين الصين ودول رابطة دول جنوب شرق آسيا، وأن يزيد من مرونة سلاسل التوريد الصناعية بين الجانبين. ومع تمكّن منتجات دول آسيان من الوصول إلى الأسواق الداخلية الصينية بتكاليف لوجستية أقل، ستتعزز فرص اندماج اقتصادات هذه الدول في سلاسل التوريد الصناعية الصينية، بما يدعم التكامل الاقتصادي الإقليمي ويوسّع آفاق التعاون التجاري. وستتجاوز منتجات دول آسيان، من السلع الزراعية والمنتجات الحرجية، مثل الفاكهة والأرز والمطاط وزيت النخيل، إلى الموارد المعدنية، مثل البوكسيت، نطاق انتشارها التقليدي في المناطق الساحلية الصينية، لتصل إلى أسواق أوسع في المناطق الداخلية، بما فيها المناطق الغربية من الصين. وفي المقابل، ستسهم القناة في تعزيز انفتاح المناطق الوسطى والغربية من الصين على دول آسيان، بما يتيح فرصاً جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري، ويدفع نحو تطوير الصناعات الصينية وإعادة هيكلتها، بما يعزز التكامل الصناعي ويحقق منافع متبادلة للطرفين. تجدر الإشارة إلى أن المكاسب التي ستتيحها قناة بينغلو، والمتمثلة في خفض التكاليف اللوجستية الإجمالية، لن تتحقق بكامل إمكاناتها إلا من خلال عملية تطوير تدريجية وتعاون مستمر بين مختلف الأطراف المعنية. ويُعدّ “هويس السفن الثاني” في مشروع “شيجين” للتحكم في المياه مثالاً بارزاً على ذلك، إذ يشكّل إحدى الركائز الأساسية التي تستند إليها القناة، وقد تعامل مع إجمالي شحنات تراكمي بلغ 70.8 مليون طن خلال السنوات الثلاث الماضية. ومن ثم، فإن تحقيق هذه المكاسب يتطلب جهوداً متواصلة وتعاوناً وثيقاً بين الصين ودول رابطة دول جنوب شرق آسيا، بهدف بناء منظومة لوجستية ثنائية الاتجاه وتعزيز كفاءتها والاستفادة المثلى من إمكاناتها. ومع تزايد تدفق بضائع دول آسيان إلى أسواق جنوب غرب الصين بتكاليف أقل، ستغدو الشركات والموانئ ومقدّمو الخدمات اللوجستية على امتداد هذه المسارات شركاء أساسيين وفاعلين محوريين في بناء المنظومة الاقتصادية الجديدة التي تتشكّل حول القناة. باختصار، لا تعدو فكرة “القناة أحادية الاتجاه”، التي يروّج لها البعض، أن تكون صيغة جديدة من الطروحات الرامية إلى “الضغط الصيني” ويظل إطار التعاون القائم على المنفعة المتبادلة وتحقيق المكاسب المشتركة بين الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا راسخاً وثابتاً. فمن خلال توسيع حجم المكاسب الاقتصادية الناجمة عن التعاون الإقليمي، تستطيع الصين ودول آسيان وغيرها من الدول تعزيز حصصها من هذه المكاسب وتحقيق المزيد من المنافع المشتركة. وفي هذا السياق، تؤدي قناة بينغلو دوراً مزدوجاً، إذ تسهم في توسيع حجم التجارة الإقليمية، وتشكّل في الوقت ذاته حافزاً لتحسين الهيكل الاقتصادي وتعزيز التكامل الصناعي بين دول المنطقة. المصدر: arabic.people.com.cn Views: 5 تصفّح المقالات التجربة الصينية في الحد من الفقر…معركة الصين ضد الفقر لم تترك أي قومية خلف الركب وزير الخارجية الصيني يحضر القمة السابعة لمؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا