أورومتشي 30 أكتوبر 2026 (شينخوا) على بعد أربع ساعات بالسيارة من جنوب مدينة هامي، وبعد رحلة طويلة بالسيارة عبر صحراء غوبي القاحلة في منطقة شينجيانغ الويغورية ذاتية الحكم بشمال غربي الصين، تظهر في الأفق مساحة شاسعة من المياه ذات اللون الأزرق المائل إلى الأخضر.

وليست هذه المياه بحيرة، بل إنها برك تبخر تمتد على مساحة تزيد عن 160 كيلومترا مربعا في منشأة ضخمة لاستخراج البوتاس في لوب نور، التي كانت تعرف سابقا بلقب “بحر الموت” بسبب جفافها الشديد وتضاريسها الوعرة.

وتضم الصحراء أيضا بلدة لوب نور. وما كانت أية عائلات قد عاشت فيها لأجيال، فقد انتقل معظم السكان إلى هناك في القرن الجديد بسبب موارد البوتاس الموجودة تحت القشرة الملحية في بلدة لوب نور.

– البوتاس تحت الصحراء

ويعد البوتاسيوم عنصرا غذائيا أساسيا للنباتات، حيث يساعد المحاصيل على تكوين سيقان أقوى وحبوب أكثر امتلاء. واعتمدت الصين بشكل كبير على البوتاس المستورد لسنوات طويلة، حيث ظل معدل الاكتفاء الذاتي المحلي أقل بكثير من 30 في المائة.

وكشفت عمليات الاستكشاف في القرن الـ20 عن رواسب مياه مالحة غنية بالبوتاسيوم من نوع الكبريتات ذات مستوى عالمي في شمالي لوب نور. لكن اكتشاف المورد كان أمرا، وإنتاج الأسمدة منه على نطاق صناعي كان أمرا آخر.

ولم تكن هناك عملية صناعية راسخة في أي مكان آخر يمكن محاكاتها. كما شكل الموقع تحديات خاصة به. فقبل عقدين من الزمن، لم تكن هناك طرق، وكانت المياه العذبة شحيحة، ولم يكن هناك سكان مستقرون.

وفي هذا السياق، قال ليو تشين يونغ الذي عمل في شركة “إس دي آي سي شينجيانغ لوبوبو المحدودة للبوتاس” لأكثر من 20 عاما: “عندما جئت إلى لوب نور لأول مرة، كانت الرياح تذري الرمال مباشرة في وجهي. كان من الممكن أن تمر عليك الفصول الأربعة دون أن ترى أي لون أخضر”، مضيفا: “كان لا بد من جلب كل شيء من الخارج”. و”إس دي آي سي” هي اختصار لـ”الشركة الوطنية للتنمية والاستثمار”.

وتم إنتاج الدفعة الأولى من كبريتات البوتاسيوم التي تحمل علامة “لوب نور” التجارية في عام 2003. وقامت الشركة لاحقا ببناء مجمع إنتاجي تبلغ طاقته الإنتاجية السنوية 1.2 مليون طن، وقد وصل إلى طاقته التصميمية بحلول نهاية عام 2011.

وأنتجت الشركة حتى الآن أكثر من 27 مليون طن من كبريتات البوتاسيوم، وتشكل منتجاتها ما يقرب من نصف سوق كبريتات البوتاسيوم في الصين.

– تحويل الصعوبات إلى مزايا

ويعتمد الإنتاج في لوب نور بشكل كبير على كل من التبخر والوقت.

وتمر المياه المالحة التي يتم ضخها من باطن الأرض عبر نظام تبخر من أربع مراحل، حيث تتبلور الأملاح المختلفة مع زيادة التركيز. ويستغرق الأمر ما يقرب من عامين قبل أن تصبح المعادن المحتوية على البوتاسيوم جاهزة للمعالجة. ثم تخضع هذه المعادن لمزيد من المعالجة، بما في ذلك التنقية والتبلور والتجفيف، لإنتاج كبريتات البوتاسيوم.

ويقوم التبخر الشديد الذي يجعل لوب نور منطقة قاسية للغاية، بمعظم عملية التركيز بشكل طبيعي.

كما أثرت ندرة المياه على نظام الإنتاج، حيث يتعين جلب المياه العذبة عبر الأنابيب من محافظة روهتشيانغ التي تبعد حوالي 240 كيلومترا، في حين تتم إعادة تدوير السوائل المتبقية من عملية المعالجة داخل النظام، ولا يتم تصريف المحلول الملحي خارج نطاقه.

وداخل المصنع، غالبا ما كان التقدم يقاس بكسور من نقطة مئوية.

وقد وصل دونغ قوانغ فنغ، مدير مصنع كبريتات البوتاسيوم، في عام 2005، عندما لم يكن هناك سوى منشأة صناعية تجريبية. وعلى مدار العقدين التاليين، عمل دونغ وزملاؤه على رفع نسبة البوتاسيوم وتطوير مجموعة أوسع من المنتجات.

وقد ارتفعت نسبة أكسيد البوتاسيوم في كبريتات البوتاسيوم التي تنتجها الشركة من 51 في المائة إلى نسبة أعلى مستقرة بلغت 52.5 في المائة، بينما وصلت النسبة في أحد المنتجات عالية الجودة إلى 53.8 في المائة. كما توسعت مجموعة منتجاتها لتشمل الأسمدة الحبيبية والقابلة للذوبان في الماء.

وقال دونغ إن الاكتفاء الذاتي للصين من البوتاس قد ارتفع الآن إلى حوالي 50 في المائة، حيث ساهمت لوب نور بحصة مهمة من الإمدادات المحلية.

وثمة منتج آخر يتم استخراجه من المحلول الملحي، حيث قامت الشركة في عام 2023 بتشغيل خط إنتاج لاستخراج الليثيوم من المحلول الملحي المتبقي بعد إنتاج البوتاس. ويمكن لهذا الخط إنتاج 5000 طن من كربونات الليثيوم سنويا، لاستخدامها بشكل أساسي في بطاريات الطاقة الخاصة بمركبات الطاقة الجديدة.

– بلدة تتجذر

وقد جذبت هذه الصناعة أيضا السكان.

وكان تشن ليانغ تشي، من مقاطعة سيتشوان بجنوب غربي الصين، من أوائل الوافدين إلى البلدة. وعندما وصل إلى بلدة لوب نور في عام 2000، لم تكن هناك طرق ولا كهرباء ولا مياه جارية.

وكان تشن يعيش في مأوى يكاد يكون تحت الأرض ويدير مطعما من غرفة معدنية جاهزة الصنع. وفي منتصف النهار في الصيف، عندما تصل درجات الحرارة السطحية إلى ما بين 50 و60 درجة مئوية، تصبح الغرفة شديدة الحرارة بحيث لا يمكن الطهي فيها. فيلجأ تشن إلى المأوى ذي المستوى الأرضي المنخفض وينتظر حتى وقت متأخر من فترة ما بعد الظهر قبل أن يشعل الموقد مرة أخرى.

ويمتد مطعم تشن اليوم على مساحة تزيد عن 100 متر مربع ويقدم خدماته للمسافرين من رجال الأعمال.

وتأسست بلدة لوب نور رسميا في عام 2002. ويتم توفير المياه والكهرباء والتدفئة فيها بشكل كبير عبر مرافق تديرها شركة البوتاس، بينما يتم التعامل مع النفايات ومياه الصرف الصحي من خلال مرافق مشتركة. ويوجد طاقم طبي من مستشفى الشعب في ولاية باينغولين المنغولية ذاتية الحكم في العيادة المحلية.

وبدوره، قال ليو شيانغ يوي، نائب أمين لجنة الحزب في بلدة لوب نور: “إذا أردت أن يبقى الناس هنا، فعليك أولا أن تجعلهم يشعرون بالأمان في العيش هنا”. ويعيش الآن أكثر من 3000 شخص في التجمع السكني الذي تشكل حول صناعة البوتاس.

والجدير بالذكر أن البوتاسيوم المستخرج من طبقات ما دون القشرة الملحية في لوب نور يصل إلى الأراضي الزراعية في جميع أنحاء الصين ويغذيها. 

المصدر: arabic.news.cn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *