شؤون آسيوية – إعداد: رغد خضور:
تحولت السياحة في الصين إلى رحلة زمنية وذهنية مدعومة بالخوارزميات والبيانات الضخمة والواقع الممتد، حيث صاغت بكين، خلال العقد الأخير، نموذجاً فريداً يمزج بين الحضارة القديمة والبنية الرقمية المتقدمة، فصار السائح يتنقل بين جداريات عمرها قرون ومنصات ذكاء اصطناعي تقرأ تفضيلاته قبل أن يعبّر عنها.
هذه المعادلة الجديدة جعلت الصين في صدارة الدول التي تبني صناعة سياحية قائمة على الابتكار التقني، لا على المشاهدة التقليدية فقط.
وبحلول نهاية عام 2023 تجاوز حجم سوق السياحة الثقافية الرقمية تريليون يوان، وهو رقم يعكس انتقال القطاع من مرحلة التجريب إلى مرحلة الصناعة الثقيلة، والذي جاء مدفوعاً بالبنية التحتية الرقمية الواسعة، وانتشار المدفوعات الذكية مثل WeChat Pay وAlipay، إضافة إلى تطبيقات السفر التي توفّر جولات افتراضية ومسحًا ثلاثي الأبعاد ومعارض رقمية تفاعلية.
إرث تاريخي يُعاد إحياؤه رقمياً
في شمال الصين، داخل مقاطعة شانشي، عاش طالب مصري تجربة تلخص هذا التحول، حين وجه مصباحه نحو لوحة جدارية قديمة، بدت الشخصيات وكأنها تتحرك، المشهد لم يكن خدعة بصرية، بل نسخة رقمية فائقة الدقة للوحة تاريخية عمرها سبعة قرون.
المقاطعة نفسها تُعرف بين الباحثين باسم “متحف الآثار فوق الأرض”، حيث تضم 531 موقعاً مصنفاً وطنياً، بينها ثلاثة مبانٍ خشبية كاملة من عهد أسرة تانغ، ومنذ 2015 بدأت السلطات هناك برنامج مسح رقمي شامل للمواقع الأثرية غير المنقولة، مستخدمة الليزر والتصوير القريب لإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد دقيقة.
في أحد المعارض الرقمية بمدينة تاييوان، أعيد تقديم معالم تاريخية عبر تقنيات الضوء والظل والطباعة ثلاثية الأبعاد، منها معابد وكهوف منحوتة في الصخر.
هذه العروض لم تستهدف المؤرخين فقط، بل جذبت أيضاً هواة الألعاب الإلكترونية، خاصة بعد النجاح العالمي للعبة الأسطورة السوداء: وو كونغ، التي أعادت توظيف مبانٍ وتماثيل حقيقية داخل عالمها الافتراضي، ما جعل الشباب يتعرفون على التراث عبر شاشة اللعب قبل زيارة الموقع نفسه.
الأرشفة الرقمية: ذاكرة حضارية لا تتلف
ومن مجرد وسيلة عرض أصبح التحول الرقمي أداة حفظ علمية، إذ جمعت فرق المسح بيانات ثلاثية الأبعاد لأكثر من 350 موقعاً أثرياً، تشمل نحو 1500 مبنى و1200 تمثال و15 ألف متر مربع من الجداريات. حجم البيانات بلغ 2.5 بيتابايت، وهو رقم يعادل ملايين الكتب المصورة عالية الدقة.
هذه الأرشفة تتيح للخبراء ترميم المباني بدقة علمية، لأن النموذج الرقمي يحتفظ بأدق الشقوق والتفاصيل، إذ كان يستغرق رسم معبد مساحته خمسة آلاف متر مربع حوالي أسبوعين، وذلك قبل 12 عاماً، أما الآن فيُنجز خلال ثلاثة أيام فقط، والفرق هنا ليس في السرعة وحدها، بل في مستوى الدقة وإمكانية إعادة البناء الافتراضي إذا تعرض الموقع الأصلي لأي ضرر.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك نموذج برج يينغشيان الخشبي، أعلى برج خشبي قائم في العالم بارتفاع يقارب 70 متراً، وبفضل المسح الرقمي أمكن تصغيره إلى نسخة متحفية مطابقة للأصل، وهو إنجاز كان مستحيلاً قبل تطور تقنيات القياس ثلاثي الأبعاد، ويُقارن البرج عالمياً مع برج بيزا المائل وبرج إيفل ضمن ما يُعرف بالأبراج الثلاثة العجيبة.
الذكاء الاصطناعي: المرشد السياحي الجديد
لم تعد الكتيبات الورقية أو المرشدون التقليديون وحدهم مصدر المعلومات، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي شريك السفر الأساسي، فالمسافر يستطيع إدخال ميزانيته واهتماماته فيحصل فوراً على خطة رحلة مفصلة، تشمل جدول التنقل وأماكن الطعام ونصائح تجنب الزحام.
منصات السفر الصينية الكبرى، مثل شركات تابعة لمجموعة China Travel International وCYTS، أدخلت أنظمة خدمة عملاء ذكية ومرشدين رقميين يتفاعلون صوتياً ونصياً مع السائح.
في مدينة شيآن مثلاً، يظهر على الهاتف، بعد مسح رمز QR، مرشد افتراضي على هيئة فتاة من أسرة تانغ تتحدث الصينية والإنجليزية والروسية وترافق الزائر طوال جولته.
اللافت أن النقاشات على وسائل التواصل حول استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في تخطيط الرحلات حصدت مئات آلاف المشاركات، حيث تكشف هذه الظاهرة أن السائح الحديث لم يعد يبحث عن مكان جميل فحسب، بل عن تجربة مصممة خصيصاً له.
الواقع الافتراضي: السفر دون مغادرة المكان
في موقع كهوف موغاو، أحد أهم مواقع التراث العالمي، يمكن للزائر ارتداء نظارات الواقع الافتراضي والتجول داخل الكهف رقم 285 بزاوية 360 درجة، كما يستطيع فحص الجداريات من مسافة سنتيمترات دون لمسها، ما يحمي الأعمال الأصلية من التآكل الناتج عن الاقتراب البشري.
وكذلك استُخدمت تقنية الجيل الخامس لبث فعاليات ثقافية مباشرة من الموقع نفسه إلى جمهور عالمي، مع إمكانية تغيير زاوية المشاهدة في الزمن الحقيقي، وهذه التجارب لا تستبدل الزيارة الفعلية، لكنها توسع نطاق الوصول، خصوصاً لمن لا يستطيع السفر.
المدن الذكية: وجهات سياحية بحد ذاتها
وظهر في الصين نوع جديد من الرحلات يُعرف بالسياحة التكنولوجية، حيث يسافر الزوار لا لمشاهدة الآثار بل لاختبار الابتكارات، خاصو وأن منصات التواصل لعبت دوراً حاسماً في انتشار هذا الاتجاه؛ وتجاوز وسم #chinatravel وحده 215 ألف فيديو، ثلاثة أرباعها نُشر خلال عام واحد.
مدينة تشونجتشينج أصبحت رمزاً لهذا النمط، إذ يصفها الزوار بأنها مدينة من أفلام الخيال العلمي بسبب مترو الأنفاق الذي يخترق ناطحات السحاب وأنظمة النقل الذكية، وعليه بدأت شركات السياحة، مثل China Highlights، تضمين تجارب تكنولوجية في برامجها منذ 2018، مثل ركوب سيارات ذاتية القيادة أو استلام طلبات عبر طائرات مسيرة.
النتيجة كانت ارتفاع عدد السياح الأجانب بعد تخفيف قيود الدخول منذ 2023، ففي النصف الأول من 2025 تجاوز عددهم 38 مليون زائر، بزيادة تفوق 30%، واستقبلت مدينتا شنغهاي وشنتشن وحدهما ملايين الزوار، ما يعكس جاذبية المدن التكنولوجية كوجهات سياحية قائمة بذاتها.
الاقتصاد الرقمي يقود النمو السياحي
الأرقام الرسمية تظهر أن القيمة المضافة للقطاعات الأساسية في الاقتصاد الرقمي بلغت عام 2024 نحو 14 تريليون يوان، أي 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ووصل قطاع الثقافة والصناعات المرتبطة به إلى 6.2 تريليون يوان، بينما سجل قطاع السياحة 5.86 تريليون. هذه النسب تعكس تزاوجاً بين الاقتصاد الرقمي والقطاع الثقافي، بحيث يغذي كل منهما الآخر.
هذا الترابط يفسر لماذا تستثمر الصين بكثافة في التقنيات السياحية؛ فالقطاع لم يعد نشاطاً ترفيهياً بل محركاً اقتصادياً استراتيجياً، كل تجربة واقع افتراضي أو منصة حجز ذكية تعني بيانات أكثر، والبيانات تعني خدمات أدق وإيرادات أعلى.
تجربة الأجانب: دهشة رقمية وصدمة حضارية
في معرض الثقافة والسياحة الذي استضافته تيانجين، أبدى زوار من دول مختلفة اندهاشهم من مستوى التقنيات، والتقطت إحدى سيدات الأعمال صورة بكاميرا ذكية حوّلتها فوراً إلى شخصية صينية تقليدية، فيما جرب آخرون خدمات توصيل عبر طائرات مسيرة أو استقلوا مركبات ذاتية القيادة.
مدونة سفر من أوروبا الشرقية تحدثت عن سهولة التنقل بفضل الأنظمة الذكية التي تقدم نصائح فورية حول الأماكن والمطاعم، وهذه التجارب جعلت كثيرين يوثقون رحلاتهم وينشرونها، ما ساهم في جذب مزيد من الزوار عبر تأثير العدوى الرقمية.
شركات التكنولوجيا الكبرى مثل علي بابا وشاومي أصبحت جزءاً من برامج الرحلات، حيث يزور السياح مقارها للتعرف على الابتكارات، كما لعبت منصات مثل تيك توك دور المسرّع الإعلامي لهذا الاتجاه.
المدفوعات الذكية: اقتصاد بلا نقود
إحدى السمات التي لفتت السياح بشكل أكبر، هي انتشار الدفع الرقمي شبه الكامل، إذ إن الكثير من المتاجر لا تتعامل بالنقد أصلاً، ما يدفع الزوار إلى تثبيت تطبيقات الدفع قبل وصولهم.
وفي هذا السياق، أصدرت السلطات الصينية أصدرت مبادئ توجيهية لتعزيز ملاءمة الخدمات الرقمية للأجانب، شملت تحسين الاتصال وتسهيل استخدام المحافظ الإلكترونية الأجنبية داخل البلاد، وتضمنت الوثيقة 14 إجراء، منها توفير خدمات بلغات متعددة وتشجيع المنصات على تقديم أدوات ترجمة فورية.
والهدف هو إزالة “الاختناقات الرقمية” التي قد تعيق تجربة الزائر غير الناطق بالصينية، ما يعكس إدراكاً رسمياً أن التفوق التقني وحده لا يكفي؛ يجب أن يكون قابلاً للاستخدام عالمياً.
الطائرات المسيرة والروبوتات: خدمات بلا احتكاك
في بعض المناطق السياحية يمكن للزائر طلب مشروب أو وجبة لتصله عبر طائرة مسيرة خلال دقائق، وهذه الخدمة تعمل حالياً على أكثر من 30 مساراً في مدن كبرى وأنجزت أكثر من 300 ألف طلب.
كذلك دخلت الروبوتات إلى هذا القطاع، من الاستقبال في الفنادق إلى تقديم المعلومات في المتاحف، مقللة تكاليف التشغيل وتوفر خدمة متواصلة على مدار الساعة.
إلا أن هذا التطور آثار نقاشات حول تأثير الأتمتة على الوظائف التقليدية، وهي مخاوف يعبّر عنها بعض الزوار رغم إعجابهم بالتقدم التقني.
الألعاب الإلكترونية: بوابة جديدة للتراث
نجاح لعبة “الأسطورة السوداء: وو كونغ” كشف مساراً جديداً للترويج السياحي، إذ اعتمدت اللعبة على مسح مواقع أثرية حقيقية وتحويلها إلى بيئات افتراضية قابلة للاستكشاف، والنتيجة تعرف لاعبين من دول مختلفة على معابد وكهوف صينية قبل أن يسمعوا عنها في كتب التاريخ.
هذا النموذج يوضح كيف يمكن لصناعة الترفيه أن تتحول إلى أداة تعليم ثقافي، بدلاً من حملات الدعاية التقليدية، أصبح التراث يسوق عبر منصات الألعاب التي تجذب ملايين المستخدمين، وبهذا يتحول اللاعب إلى سائح محتمل، والسائح إلى سفير ثقافي غير رسمي.
المعايير الدولية والخصوصية
رغم التقدم، يواجه النموذج الصيني تحديات، إذ يشير بعض الزوار إلى صعوبة استخدام التطبيقات بسبب محدودية اللغة الإنجليزية أو عدم توافقها مع أنظمة أجنبية، فيما يبدي آخرون قلقاً من قضايا الخصوصية المرتبطة بجمع البيانات.
هذه الملاحظات لا تقلل من نجاح التجربة لكنها تبرز مرحلة انتقالية، فكل نظام رقمي واسع يحتاج وقتاً ليصل إلى مستوى التوافق العالمي، لذا بدأت السلطات بالفعل خطوات لمعالجة هذه الفجوات، ما يشير إلى إدراك رسمي لأهمية جعل البيئة الرقمية صديقة للمستخدم الدولي.
السياحة كقوة ناعمة
التحول الرقمي لم يؤثر في الاقتصاد فقط، بل في الصورة الدولية للصين، فالسائح الذي يختبر قطاراً فائق السرعة أو يدفع بكف يده أو يتجول في متحف افتراضي يعود إلى بلده بانطباع مختلف، ليتحول هذا الانطباع إلى رواية شخصية تنتشر عبر وسائل التواصل، فتؤدي دورًا دعائيًا يفوق الحملات الرسمية.
ولهذا السبب تُعد السياحة الرقمية أداة قوة ناعمة بامتياز، فهي ليست مجرد خدمة للزوار، بل وسيلة لإظهار مستوى التطور العلمي والتكنولوجي للدولة، وترسيخ صورتها كقوة حديثة لا تعيش على أمجاد الماضي فقط.
اندماج الماضي والمستقبل
جوهر التجربة الصينية يكمن في الجمع بين عنصرين متناقضين ظاهرياً: أقدم حضارة مستمرة في العالم، وأسرع اقتصاد رقمي نمواً، إلا أنها تمكنت من خلال دمجهما بخلق مفارقة جذابة، فالسائح قد يقف أمام جدارية عمرها ألف عام بينما يشرحها له مرشد افتراضي يعمل بخوارزمية تعلم عميق.
وهنا سر الجاذبية، فالبشر بطبيعتهم ينجذبون إلى التباين، والصين تقدم هذا التباين في صورة تجربة سياحية متكاملة، لذلك لا غرابة أن يتحول السفر إليها بالنسبة لكثيرين إلى ما يشبه “صدمة حضارية” إيجابية، كما وصفها بعض الزوار.
نحو سياحة تنبؤية
المرحلة المقبلة تتجه نحو ما يمكن تسميته بالسياحة التنبؤية، بفضل تحليل البيانات الضخمة، اليت تمكن المنصات من توقع تفضيلات المسافر قبل أن يحددها، واقتراح مسارات مخصصة له.
كما سيؤثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنشاء المحتوى السياحي وتحليل الاتجاهات والتسويق الشخصي، ما سيجعل تجربة السفر أكثر فردية وأقل عشوائية.
ما يحدث في الصين ليس تطويراً تقنياً عابراً، بل إعادة تعريف شاملة لمفهوم السياحة، بحيث يصبح استكشاف العالم رحلة عبر المكان والبيانات معاً

