شؤون آسيوية – عمّان –
وخلال لقائه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي أن الصين ستظل الشريك الاستراتيجي الأكثر موثوقية للمملكة الأردنية الهاشمية في مسيرة التنمية والنهوض. هذا التصريح لم يأتِ في فراغ، بل في لحظة سياسية حساسة تشهد فيها المنطقة، والعالم، اختبارات حقيقية لفكرة “الشريك الموثوق”. وانغ، الذي يشغل أيضاً عضوية المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، أشار إلى أن العلاقات الثنائية، وتحت التوجيه الاستراتيجي لزعيمي البلدين، حافظت على تطور سليم ومستقر، وهو توصيف دبلوماسي يحمل بين سطوره رسالة سياسية واضحة: لا مفاجآت، ولا انقلابات في المواقف.
من جانبه، عبّر الملك عبد الله الثاني عن علاقة شخصية وتاريخية مع الصين، مشيراً إلى أنه زارها مرات عديدة منذ شبابه، وأنه يكن لها حباً عميقاً، ويعتز بصداقته المتجذرة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ. وأكد أن الأردن يولي أهمية بالغة لتطوير العلاقات مع الصين، ويتطلع إلى تعزيز التبادلات رفيعة المستوى، ودفع التعاون العملي قدماً، وتحسين التواصل والتنسيق في القضايا العالمية والإقليمية، خصوصاً في ظل الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، أعلن الملك دعم الأردن الكامل لجهود الصين في استضافة النسخة الثانية من القمة الصينية-العربية العام المقبل، مؤكداً استعداد المملكة لبذل أقصى الجهود في الأعمال التحضيرية، بما يضمن أن تشكل القمة محطة جديدة لتعزيز العلاقات العربية-الصينية المتينة. بدوره، وجّه وانغ يي دعوة رسمية للملك عبد الله الثاني لزيارة الصين وحضور القمة، بهدف العمل المشترك على الارتقاء بالتعاون الصيني-العربي إلى مستويات أعلى.
وأشار وزير الخارجية الصيني إلى أن العام الجاري يصادف الذكرى العاشرة لإقامة الشراكة الاستراتيجية بين الصين والأردن، معتبراً أن هذه المناسبة تمثل فرصة ليس فقط لتقييم ما تحقق، بل لرسم مسار العقد المقبل. وأكد استعداد الصين لتعزيز التواصل والتنسيق مع الأردن، وتنفيذ التوافقات المهمة التي توصل إليها الزعيمان، بما يضمن تطوراً صحياً ومستداماً للشراكة الاستراتيجية.
وانغ لم يُغفل البعد الإقليمي، إذ أشاد بدور الأردن، تحت قيادة الملك عبد الله الثاني، كقوة تعزز الاستقرار في المنطقة، وترسخ مبادئ النزاهة والعدالة، وتؤدي دوراً فريداً وإيجابياً في دفع جهود السلام. وأكد أن الصين، بوصفها دولة كبرى مسؤولة، تتمسك بمبدأ المساواة بين الدول بغض النظر عن حجمها، وترفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتدعم حق كل دولة في اختيار مسارها التنموي بما يتناسب مع ظروفها الوطنية، دون فرض إرادة خارجية.
وفي إطار اللقاءات الرسمية، عقد وانغ يي اجتماعاً مطولاً مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، خُصص لبحث العلاقات الثنائية وقضايا الشرق الأوسط. وأكد وانغ خلال الاجتماع أن العلاقات الصينية-الأردنية تطورت بشكل مطرد خلال العقد الماضي، وحققت نتائج مثمرة في مختلف المجالات، مع تعمق مستمر في مضمون الشراكة الاستراتيجية.
وشدد وانغ على دعم الصين للأردن في صون سيادته الوطنية ووحدة أراضيه وكرامته، وفي أداء دوره المهم إقليمياً ودولياً، مؤكداً أن الصين ستبقى صديقاً وشريكاً يمكن الاعتماد عليه. كما أعرب عن استعداد بكين للحفاظ على تبادل رفيع المستوى، وتعزيز التواصل بين وزارتي الخارجية، والتخطيط المشترك للتعاون في مختلف القطاعات.
وفي الجانب الاقتصادي والتنموي، أشار وزير الخارجية الصيني إلى التقدم السلس في التعاون العملي بين البلدين، وأبدى استعداد الصين لمواصلة دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأردن ضمن حدود إمكاناتها، واستيراد المزيد من المنتجات الأردنية عالية الجودة، وتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار والعمل في المملكة. كما دعا إلى استكشاف فرص التعاون في مجالات ناشئة مثل الطاقة الشمسية، والعلوم والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعميق التبادل في مجالات الثقافة والسياحة والتعليم والطيران المدني، بما يعزز التفاهم بين الشعبين.
أما الوضع في الشرق الأوسط، فقد حضر بقوة في المحادثات. وصف وانغ المشهد الإقليمي بأنه معقد وخطير، تتداخل فيه صراعات متعددة، مؤكداً أن المنطقة تقف أمام خيارين: إما تصعيد المواجهات أو الاتجاه نحو مفاوضات سلمية. واعتبر أن تحقيق السلام والاستقرار يخدم مصلحة جميع دول المنطقة، وهو ما تطمح إليه شعوبها. وأشاد بدور الأردن كقوة استقرار، وبمساهمته الإيجابية في القضايا الساخنة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، مؤكداً استعداد الصين لتعزيز التنسيق مع عمّان للحفاظ على السلام والتنمية في المنطقة.
من جانبه، أكد أيمن الصفدي أن الأردن ينظر إلى الصين كصديق عظيم وشريك استراتيجي، ويقدّر دورها المتزايد كدولة كبرى في الشؤون الدولية والإقليمية. وجدد التزام الأردن الكامل بمبدأ صين واحدة، باعتباره التزاماً سياسياً رسمياً لا يقبل التراجع. وأوضح أن المملكة حريصة على تطوير العلاقات مع الصين على جميع المستويات، ووضع خارطة طريق واضحة للتعاون، وتعزيز الشراكة الاقتصادية والتجارية، وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة النظيفة والابتكار العلمي والتكنولوجي.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أشار الصفدي إلى حالة عدم الاستقرار في غزة، مثمناً مواقف الصين الداعمة للعدالة، وإيصالها صوتاً منصفاً إلى المجتمع الدولي. وأعرب عن تطلع الأردن إلى مواصلة التنسيق مع الصين من أجل التوصل إلى حل شامل ودائم للقضية الفلسطينية، وتحقيق السلام والاستقرار الإقليميين.
وتوّجت الزيارة ببيان صحفي مشترك، أكد فيه الجانبان التزام زعيمي البلدين بتعزيز التعاون لتحقيق فوائد ملموسة للشعبين، والإشادة بالتعاون القائم في مختلف المجالات، والتعهد بتوسيع نطاقه. وتناول البيان مجالات التعاون التقليدية، مثل التجارة والبنية التحتية والطاقة والنقل، إلى جانب مجالات جديدة تشمل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، فضلاً عن تعزيز التبادل الثقافي والتعليمي والإعلامي.
كما أكد البيان التزام الأردن بمبدأ صين واحدة، وأهمية التنسيق في المحافل متعددة الأطراف، وضرورة التنفيذ الفعال للاتفاقيات الموقعة. وفي الشأن الإقليمي، شدد الجانبان على ضرورة وقف شامل ودائم لإطلاق النار في غزة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وربط ذلك بجهد سياسي حقيقي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع التأكيد على أهمية الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.
بهذه الرسائل المتعددة، خرجت زيارة وانغ يي لتؤكد أن العلاقات الصينية-الأردنية تدخل عقدها الثاني بثقة سياسية، وأجندة تعاون أوسع، وتفاهم واضح حول قضايا الإقليم، في وقت يندر فيه هذا القدر من الوضوح في العلاقات الدولية؟

