محمود عباسمحمود عباس

بقلم: المستشار د. أحمد يوسف*

منذ أشهر، كتبنا وقلنا إن تجديد الشرعيات الفلسطينية لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة وطنية لا تحتمل مزيدًا من التأجيل، ودعونا يومها إلى البدء بالانتخابات الرئاسية باعتبارها المدخل الأكثر واقعية لإصلاح النظام السياسي الفلسطيني. يومها ربما بدت الفكرة للبعض سابقة لأوانها، أما اليوم فقد أصبحت تتردد على ألسنة قيادات وطنية، وشخصيات مستقلة، وكتّاب ومحللين، بل وأصبحت مطلبًا يتسع حضوره في الشارع الفلسطيني بوصفه خطوة لا غنى عنها لإنقاذ الحالة الوطنية واستعادة الثقة بالمؤسسات.

منذ سنوات طويلة، يتطلع الفلسطينيون إلى لحظة يستعيدون فيها حقهم الطبيعي في اختيار قيادتهم وتجديد شرعيات مؤسساتهم الوطنية. ولم يعد الحديث عن الانتخابات مجرد استحقاق دستوري مؤجل، وإنما أصبح ضرورة وطنية تفرضها المتغيرات السياسية، بعد أن أرهقت الانقسامات مؤسساتنا، واستنزفت الحروب شعبنا، وتراجعت مكانة القضية الفلسطينية في كثير من المحافل الدولية.

ورغم أهمية الانتخابات التشريعية والمجلس الوطني، فإن الأولوية اليوم – في تقدير كثير من القيادات الوطنية والفصائل والفعاليات المجتمعية وقطاعات واسعة من الشارع الفلسطيني – ينبغي أن تكون للانتخابات الرئاسية، باعتبارها المدخل الأكثر واقعية لإطلاق عملية تجديد الشرعيات وإعادة الحيوية إلى النظام السياسي الفلسطيني.

فالرئاسة هي المؤسسة التي انتهت ولايتها منذ سنوات طويلة، وأصبحت الحاجة إلى تجديدها أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. كما أن معظم التحولات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية، بكل ما حملته من أزمات وانقسامات وتعثرات، وقعت خلال المرحلة التي امتدت فيها الولاية الرئاسية دون تجديد عبر صندوق الاقتراع.

وليس المقصود هنا تحميل شخص الرئيس وحده مسؤولية كل ما جرى، فالقضية الفلسطينية واجهت احتلالًا استيطانيًا متوحشًا، وضغوطًا إقليمية ودولية غير مسبوقة، لكن استمرار القيادة نفسها طوال هذه السنوات، مع بقاء الخطاب ذاته، والوجوه ذاتها، وآليات العمل نفسها، لم ينجح في إنتاج مقاربة جديدة قادرة على مواجهة التحديات المتراكمة.

لقد تغير العالم من حولنا، وتبدلت موازين القوى، وتغيرت أدوات التأثير السياسي والإعلامي والدبلوماسي، بينما بقي الأداء الفلسطيني الرسمي في كثير من جوانبه أسيرًا لأساليب لم تعد تحقق النتائج المرجوة، الأمر الذي يستدعي ضخ دماء جديدة، ورؤى أكثر قدرة على التعامل مع المرحلة المقبلة.

كما أن عامل السن، مهما بلغ احترامنا وتقديرنا لصاحبه، يبقى حقيقة لا يمكن تجاهلها. فالقضية الفلسطينية اليوم تحتاج إلى قيادة تمتلك الحيوية والقدرة على الحركة والسفر، وبناء التحالفات، وإدارة الحراك السياسي والدبلوماسي في عالم سريع التغير، خاصة في ظل ما تواجهه غزة والضفة والقدس من تحديات مصيرية.

ومن الناحية العملية، تبدو الانتخابات الرئاسية أكثر قابلية للتنفيذ من الانتخابات التشريعية أو انتخابات المجلس الوطني في الظروف الراهنة. فقطاع غزة ما يزال يعيش أوضاعًا استثنائية تحت الاحتلال، مع دمار واسع، ونزوح، وتعطل للمؤسسات، وسيطرة إسرائيل على معظم مفاصل الحركة والاتصال، الأمر الذي يجعل تنظيم انتخابات تشريعية شاملة أو انتخابات للمجلس الوطني عملية شديدة التعقيد من الناحية اللوجستية والأمنية.

لذلك، فإن البدء بالانتخابات الرئاسية لا يعني التخلي عن بقية الاستحقاقات، وإنما يمثل خطوة أولى تفتح الباب أمام استكمال عملية تجديد المؤسسات الفلسطينية وفق جدول زمني واضح ومتفق عليه وطنيًا.

إن الفلسطينيين لا يبحثون اليوم عن مجرد تغيير أسماء، وإنما عن استعادة الأمل. يبحثون عن قيادة قادرة على توحيد الصف، وترميم البيت الفلسطيني، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني، وبناء شراكة سياسية حقيقية بين مختلف القوى والفصائل، بعيدًا عن الإقصاء والتفرد.

إننا بحاجة إلى شخصية وطنية توافقية تحظى باحترام مختلف المكونات الفلسطينية، وتكون قادرة على إدارة مرحلة انتقالية تؤسس لإنهاء الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات، والتحضير لانتخابات شاملة عندما تسمح الظروف بذلك.

رسالتي إلى فخامة الرئيس محمود عباس:

يا سيادة الرئيس…

لقد أمضيتم سنوات طويلة في خدمة القضية الفلسطينية، وتحملتم مسؤوليات جسامًا في ظروف بالغة الصعوبة، وسيبقى ذلك جزءًا من التاريخ الوطني، مهما اختلفت التقييمات السياسية.

لكن لكل مرحلة رجالها، ولكل مسؤولية توقيتها، ولكل قائد لحظة يختار فيها أن يترك إرثًا وطنيًا يخلده التاريخ.

أما آن الأوان أن تفسحوا المجال لانتقال وطني هادئ، يجدد الشرعيات ويعيد الحيوية إلى مؤسساتنا الفلسطينية؟

أما آن الأوان أن يكون أعظم إنجاز تختمون به مسيرتكم هو إعادة الشرعية إلى المؤسسات الفلسطينية، وترتيب البيت الداخلي، وإطلاق عملية انتقال سياسي آمن تحفظ وحدة النظام السياسي الفلسطيني؟

إن ما تبقى من عطائكم السياسي يمكن أن يُستثمر في إصلاح مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتعزيز وحدتها، وتقوية مكانتها ممثلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني، والإشراف على انتقال مسؤول وآمن للقيادة، يجنّب شعبنا أي فراغ أو صراع على السلطة.

يا سيادة الرئيس…

ضعوا خيارات الناس في الحسبان، فالقيادة تستمد مشروعيتها من شعبها، وتجديد الشرعيات هو صمام أمان للنظام السياسي، وليس تهديدًا له.

ولطالما ردّد الناس مقولة تختزن حكمة التجربة: “تغيير الوجوه رحمة.”

ختامًا، لقد آن الأوان لأن نخرج من دائرة انتظار المجهول إلى صناعة المستقبل. وتجديد الشرعيات ليس موجَّهًا ضد أحد، بل هو حق للشعب، وضمان لاستقرار النظام السياسي، ورسالة للعالم بأن الفلسطينيين قادرون على تجديد قياداتهم ومؤسساتهم بوسائل ديمقراطية وسلمية.

وإذا كانت البداية يجب أن تكون من مكان، فإنها اليوم تبدأ من الرئاسة، باعتبارها المدخل الطبيعي لإصلاح النظام السياسي، وإعادة الأمل لشعب أنهكته الحروب والانقسام، وما زال ينتظر بصيص ضوء في نهاية نفق طال انتظاره، لا نفقًا جديدًا يضاف إلى أزماته.

*رئيس مؤسسة بيت الحكمة في غزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *