بكين أول نوفمبر 2026 (شينخوا) لسنوات طويلة، ارتبط الحديث عن الاستهلاك في الصين بأكياس التسوق. أما اليوم، فأصبح الاستهلاك يقاس بشكل متزايد بتذاكر الحفلات الموسيقية وبرامج السفر والخدمات الصحية والأجهزة الذكية. ولا يقتصر هذا التحول على تغير الأذواق، بل يمثل نقطة تحول هيكلية تعيد تشكيل فهم أنماط إنفاق الأسر.

وفي الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2026، ارتفع إجمالي مبيعات التجزئة للسلع والخدمات في الصين بنسبة 2.6 بالمائة على أساس سنوي. وعلى وجه الخصوص، زادت مبيعات التجزئة للخدمات بنسبة 5 بالمائة، متجاوزة نمو مبيعات السلع بـ 4 نقاط مئوية.

وقال خبراء إن معدل النمو قد يبدو معتدلا، إلا أن حجمه وجودته يحملان أهمية كبيرة، إذ أسهم الاستهلاك المحلي بنحو نصف النمو الاقتصادي، ودفع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى الارتفاع بمقدار 2.1 نقطة مئوية.

والأهم من ذلك أن محركات الاستهلاك تشهد تحولا، إذ بدأت المحركات التقليدية القائمة على الاستهلاك المرتفع، مثل العائد الديموغرافي والإنفاق المرتبط بقطاع الإسكان والسلع المعمرة، تفسح المجال أمام محركات جديدة تشمل استهلاك الخدمات والسلع الاستهلاكية المطورة والمنتجات الخضراء والذكية.

ولهذا السبب، أعلنت الهيئة الوطنية للإحصاء في يونيو الماضي عن مؤشر جديد، هو إجمالي مبيعات التجزئة للسلع والخدمات، باعتباره مؤشرا معبرا عن اتجاهات الاستهلاك.

ويعود هذا التحول في جوهره إلى انتقال تاريخي في مرحلة التنمية. وقال وانغ يي مينغ، النائب السابق لرئيس مركز بحوث التنمية التابع لمجلس الدولة، إن التجارب الدولية تشير إلى أن هياكل الاستهلاك تميل عادة إلى التحول من التركيز على السلع إلى الخدمات عندما يقترب نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من مستوى 15 ألف دولار أمريكي، مشيرا إلى أن الصين تمر حاليا بمرحلة محورية من هذا التحول.

وقد أبرز الإنفاق خلال العطلات هذا الاتجاه. فخلال عطلة العيد الوطني التي استمرت سبعة أيام هذا العام، ارتفع عدد الرحلات السياحية المحلية وإجمالي الإنفاق السياحي بنسبة 6.3 بالمائة و4.3 بالمائة على أساس سنوي على التوالي.

وحتى مراقبة الطيور أصبحت تسهم في دفع هذا الزخم الاستهلاكي. فعند مصب النهر الأصفر في مقاطعة شاندونغ بشرقي الصين، يتوافد الزوار سنويا خلال موسم هجرة الطيور لمشاهدة أسرابها المذهلة التي تشبه الأمواج.

واستقبلت مواقع مراقبة الطيور المحلية نحو 400 ألف زائر سنويا خلال هذا الموسم، وفقا للسلطات المحلية، وحققت إيرادات تجاوزت 300 مليون يوان (حوالي 44.7 مليون دولار أمريكي) من خدمات الإقامة والمطاعم والمنتجات الثقافية والإبداعية، فيما ارتفعت نسبة إشغال الفنادق بأكثر من 10 بالمائة على أساس سنوي.

ولا يعني نمو استهلاك الخدمات مجرد إحلاله محل الإنفاق على السلع، بل يعكس إعادة توازن سلة الاستهلاك نحو مستويات أعلى. فقد شهدت خدمات السفر والثقافة والرياضة والصحة والمعلومات نموا أسرع، فيما أسهم ذلك في تحفيز الطلب على معدات الأنشطة الخارجية والأجهزة الذكية القابلة للارتداء والمنتجات المرتبطة بالصحة.

كما تستفيد العلامات التجارية الرياضية العالمية من هذا الاتجاه. فقد ارتفعت إيرادات شركة “أمير سبورتس” في الصين بنسبة 35.5 بالمائة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2026، فيما قفزت مبيعاتها المباشرة للمستهلكين بنسبة 52 بالمائة.

وقال مسؤولون تنفيذيون في الشركة إن السوق الصينية لا تزال من أكثر أسواقها إنتاجية وربحية، مدعومة بالطلب على أحذية الجري الاحترافي والجري في المسارات الطبيعية والأحذية المخصصة للاستخدام اليومي.

ومع تجاوز عدد سكان الصين 1.4 مليار نسمة وتزايد تنوع احتياجات المستهلكين، توفر السوق الصينية مجالا واسعا لتوسيع المعروض من الخدمات وتطويره وتحسينه باستمرار، بما يعكس الارتقاء بمستوى احتياجات الأفراد.

وقد رفضت الصين عن وعي نهج “الأموال الموزعة من المروحيات”، الذي يؤدي إلى تضخيم مؤقت لمؤشرات الاستهلاك، لكنه يتسبب في تداعيات تضخمية حادة على المدى الطويل وتدهور الأوضاع المالية، وفقا لما كتبه المعلق بي جيان لو في مقال نشره موقع “فورين بوليسي إن فوكس”.

وبدلا من ذلك، وضعت الصين أول خطة خمسية مخصصة بالكامل لتوسيع الاستهلاك، وأفردت فيها فصلا مستقلا لـ”تعزيز القدرة الاستهلاكية”، يتضمن ترتيبات منهجية تتعلق بالتوظيف وزيادة الدخل والضمان الاجتماعي والخدمات العامة.

وأوضح محللون أن الهدف لا يقتصر على تشجيع الناس على الإنفاق في الوقت الراهن، بل يتمثل أيضا في بناء منظومة مؤسسية توفر لهم شعورا بالأمان والثقة الكافيين للإنفاق في المستقبل.

فعندما تتوفر ضمانات الدخل وشبكات الحماية الاجتماعية وتتحسن بيئة الأعمال، يأتي نمو الاستهلاك بصورة طبيعية.

وفي الوقت نفسه، تحقق جهود الصين، مثل برنامج استبدال السلع الاستهلاكية القديمة بأخرى جديدة، نتائج ملموسة. فمنذ بداية عام 2026، دعم هذا البرنامج 250 مليون عملية شراء، محققا مبيعات للمنتجات بقيمة إجمالية بلغت تريليوني يوان.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة. إذ لم يتضح بعد مدى سرعة تعافي استهلاك الأسر، كما أن تحويل تحسن توقعات الدخل إلى رغبة أقوى في الإنفاق يحتاج إلى وقت. ومن القضايا الرئيسية الأخرى مدى قدرة جودة الخدمات على مواكبة الارتقاء بمستوى الطلب.

وجاء في تعليق نشرته مجلة “تشيوشي”، المجلة الرئيسية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، أن التباين بين العرض القوي والطلب الضعيف لا يعود في جوهره إلى فائض مطلق في العرض أو نقص في الطلب، بل إلى عدم التوافق الناجم عن التحول في مرحلة التنمية ونمطها.

وأضاف التعليق أنه “من خلال مواصلة تعميق الإصلاح وتعزيز نمو داخلي يقوده الطلب المحلي ويدفعه الاستهلاك، يمكن معالجة هذا الخلل في التوافق من جذوره”.

المصدر: arabic.news.cn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *