فهم الاقتصاد الصيني (36): هل تمثّل المسلسلات القصيرة المُنتَجة بالذكاء الاصطناعي هدرًا للقدرات الحاسوبية؟

أثارت مجموعة من الأرقام المتعلقة بحجم استهلاك الرموز من قِبل نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة اهتماماً واسعاً في الصين مؤخرا. وتُظهر هذه الأرقام أن المسلسلات القصيرة وتوليد مقاطع الفيديو تستحوذ على 55% من إجمالي استهلاك الرموز محلياً، بينما تبلغ حصة التجارة الإلكترونية والتسويق 24%، في حين لا تتجاوز حصة تطوير البرمجيات 15%. وقد قارن البعض هذه البيانات بما يُقال عن أن “58% من الرموز المُستهلكة في الولايات المتحدة تُستخدم في كتابة الأكواد البرمجية وأتمتة العمليات المؤسسية”، مما أدى إلى ظهور مقولةٍ لافتة مفادها: “بينما تستخدم الصين قدراتها الحوسبية لملاحقة المسلسلات القصيرة الترفيهية، توظفها الولايات المتحدة لبناء المستقبل.”

وفي ظل النقاش الدولي الراهن حول التنافس بين الصين والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه المقارنة مثيرة للانتباه بلا شك، لكنها لا تصمد أمام أبسط عمليات التحقق من الحقائق أو التدقيق. فالمزعم القائل بأن “المسلسلات القصيرة المُنتجة بالذكاء الاصطناعي وتقنيات توليد الفيديو تستحوذ على 55% من الموارد ” يستند إلى تقييم صادر من داخل القطاع، وهو تقييم متداول عبر الإنترنت وموجود ضمن سجلات علاقات المستثمرين الخاصة بشركة مدرجة في البورصة، وهي شركة تستثمر بكثافة في المسلسلات القصيرة المُنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي. لذا، لا يُعد هذا الرقم حساباً شاملاً يستند إلى أي إطار إحصائي موثوق. ومن جانبها، أوضحت منصة دوباو مؤخراً، أن أرقام القدرة الحوسبية هذه “غير دقيقة إلى حد ما”، مشيرة إلى أن شركة بايت دانس لمالكة للمنصة لا تخصص سوى 10% تقريباً من إجمالي قدرتها الحوسبية لعمليات تدريب نماذج توليد الفيديو واستنتاجها. أما فيما يتعلق بالادعاء بأن “58% من الرموز المُستخدمة في الولايات المتحدة تذهب لكتابة الأكواد البرمجية”، فلا يوجد أي مصدر موثوق يدعم هذا الرقم على الإطلاق.

تُعدّ الرموز وحداتٍ تُستخدم لقياس استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي والمحاسبة عليه، وهي تعكس حجم العمل واستهلاك الموارد الحاسوبية. ولا تمثل هذه الرموز مقياساً للإنتاجية، كما أنها لا تعادل الناتج المحلي الإجمالي. ومن ثم، لا يمكن استخدامها بشكل مباشر لتقدير قيمة قطاع الذكاء الاصطناعي في أي دولة. ومن ناحية أخرى، تتطلب عملية توليد مقاطع الفيديو موارد حوسبية مكثفة، بينما يتسم توليد الأكواد البرمجية باستهلاك أقل للرموز مع كفاءة عالية، لذا فإن المقارنة بينهما استناداً إلى حجم استهلاك الرموز فحسب تُعدّ مقارنةً غير سليمة من الناحية المنهجية.

لا تكمن الأهمية في عدد الرموز المُستهلكة، بل في القيمة التي تُنتجها. تمتلك الصين النظام الصناعي الأكثر شمولاً وضخامة في العالم، مما يوفر للذكاء الاصطناعي نطاقاً غنياً للغاية من سيناريوهات التطبيق، ويجعله أكبر ساحة اختبار واقعية على مستوى العالم. قد لا تبدو مجالات مثل المسلسلات القصيرة، والتجارة الإلكترونية، والبث المباشر، وإنشاء المحتوى، مطابقة للصورة النمطية للتقنيات المتقدمة “الصلبة”، ومع ذلك، فإن هذه التطبيقات اليومية هي التي تضع تقنيات الذكاء الاصطناعي في الخطوط الأمامية، حيث تُختبر على يد مستخدمين حقيقيين وتخضع لتحسينات مستمرة من خلال دورات تجارية فعلية. فنموذج توليد الفيديو الذي يُستخدم آلاف أو عشرات الآلاف من المرات في إنتاج المسلسلات القصيرة، يضطر حتماً لتلبية متطلبات واقعية تتعلق بالاتساق البصري، والالتزام بالمواعيد النهائية للإنتاج، وكفاءة التكلفة. إن نموذجاً كهذا يحظى بفرص أكبر بكثير للتحديث والتطوير والتحسين، كما يمكنه توليد قيمة صناعية أكبر بكثير، مقارنة بتقنية لا يستخدمها سوى عدد قليل من المهندسين، أو تلك التي تظل حبيسة العروض التقديمية.

لا يعني مصطلح “السوق الشامل” بالضرورة “انخفاض القيمة”، ولا ينبغي أن يُقحم التبني الواسع النطاق في تعارض مع البحوث الرائدة. فحجم التطبيق نفسه يُسهم في تمويل البحوث وتوجيهها نحو المشكلات الجوهرية. كما أن الاستخدام واسع النطاق يُوزّع تكاليف الاستدلال على عدد أكبر من المستخدمين، مما يُساعد على تحويل خدمات النماذج من أدوات مخبرية باهظة الثمن إلى سلع عامة بأسعار معقولة. في الصين، تُكلّف بعض نماذج توليد الفيديو الآن أقل من يوان واحد في الثانية، بينما انخفضت تكاليف إنتاج المسلسلات القصيرة بتقنية الذكاء الاصطناعي من عدة آلاف من اليوانات في الدقيقة إلى بضع مئات فقط. وتُؤدي التكاليف المنخفضة إلى دخول المزيد من الشركات الصغيرة والمبدعين الأفراد إلى السوق، مما يُوسّع نطاق التطبيقات. بدورها، تُساعد التحديات الهندسية التي يكشف عنها الاستخدام واسع النطاق في تحديد أولويات البحث. وقد نمت نقاط قوة الصين في نماذج المصادر المفتوحة، والنشر الخفيف، والاستدلال منخفض التكلفة، إلى حد كبير، من متطلبات خدمة الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

لا يقتصر تطوير الذكاء الاصطناعي في الصين بأي حال من الأحوال على التطبيقات العملية على حساب البحث التكنولوجي. فقد أظهر تقرير صادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) في عام 2024، أن الصين تتصدر العالم من حيث حجم الأبحاث المنشورة في مجال الذكاء الاصطناعي، وعدد الاستشهادات بها، وعدد براءات الاختراع المسجلة، كما تُعد المصدر الأكبر عالمياً لبراءات الاختراع المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي. وقد تصدرت نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية قائمة الاستخدام الأسبوعي على منصة أوبن راوتر، وهي أكبر منصة في العالم لتجميع واجهات برمجة تطبيقات (API) نماذج الذكاء الاصطناعي لمدة 26 أسبوعاً متتالياً، مستحوذةً على نحو ثلثي إجمالي حجم الاستخدام. كما ارتفعت حصة الرموز المستخدمة في مهام البرمجة على المنصة من حوالي 10% في فبراير إلى نحو 50% في سبتمبر من هذا العام. ولم تكن الصين يوماً غائبة عن تطوير القدرات الأساسية أو النماذج الرائدة في هذا المجال، والأهم من ذلك أنها لم تبقِ هذه التطورات حبيسة المختبرات، بل انتهجت مساراً للتطوير على جبهتين، مما أتاح للبحث والتطوير التفاعل مع أكبر قاعدة في العالم من الطلب الفعلي، وتعزيزها في الوقت ذاته.

لا يوجد مبرر يُذكر لتأجيج المخاوف بشأن “تأخر الصين عن الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي” استناداً إلى بيانات مشكوك فيها. فاستغلال إحصاءات تستند بدورها إلى منهجيات غير متسقة ومصادر غامضة لخلق مقارنة تبسيطية بين “بناء المستقبل” و”السعي وراء أعمال ترفيهية قصيرة”، ينطوي على مخاطر تضليل الرأي العام، وتحويل عمليات الانتشار التكنولوجي الطبيعية والتخصص الصناعي إلى قضايا مسيسة. وفي الواقع، يُعد التطبيق واسع النطاق أحد أقوى ركائز تطوير الذكاء الاصطناعي في الصين. فمن خلال الربط الوثيق بين البحث العلمي والتطبيق العملي على أرض الواقع، لا تكتفي الصين باتباع مسارها الخاص فحسب، بل تساهم أيضاً في توسيع آفاق الانتشار العالمي لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها الصناعية.

المصدر: arabic.people.com.cn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *