فهم الاقتصاد الصيني(35): بعد ظهور سيارة ماسك الطائرة، هل أجبرت المنافسة الصينية تسلا على الخروج من المنافسة؟

كشفت شركة تسلا مؤخرا عن الجيل الجديد من سيارتها الرياضية “رودستر”القادرة على الطيران لفترات وجيزة وتنفيذ مناورات جوية. ورأت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن أهمية السيارة تكمن في علاقتها بالصين، معتبرة أن إيلون ماسك يتخلى عن سوق السيارات الجماهيرية لصالح الشركات الصينية، وأن شركات السيارات الغربية تواجه خيار التحول إلى السيارات الفاخرة أو المخاطرة بالخروج من المنافسة.

فهل يدفع تطور صناعة السيارات الصينية الشركات الأخرى فعلا خارج مربع المنافسة ؟

لا شك أن صناعة السيارات الصينية تفرض ضغوطا تنافسية هائلة على الشركات العالمية، وقد أقر ماسك بأن الشركات الصينية تمثل أقوى منافسيها. وأظهرت معلومات من وكالة الطاقة الدولية، أن مبيعات السيارات الكهربائية عالميا في عام 2025 بلغت أكثر من 20 مليون مركبة، وقد استحوذت الشركات الصينية على نحو 60% من المبيعات، وقرابة ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي. كما لفت حضور أكثر من 20 علامة تجارية صينية في معرض باريس للسيارات هذا العام اهتماما واسعا، مؤكدا تحول الشركات الصينية إلى منافسين رئيسيين في الأسواق والتقنيات العالمية.

غير أن ظهور “رودستر” لا يعد دليلا على انسحاب تسلا من السوق الجماهيرية. حيث صُممت السيّارة الجديدة منذ البداية لاستهداف شريحة متخصصة من المشترين، وكذلك لاستعراض قدرات الشركة التقنية وتعزيز علامتها التجارية. وتتجه شركات السيارات العالمية إلى تطوير القيادة الذاتية والمركبات المتصلة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، انسجاما مع مسار التطور التكنولوجي للقطاع.

وفي الواقع، لم تتخلّ شركات السيّارات العريقة عن السوق الجماهيرية، بل مازالت تمثل ركيزة أساسية لمبيعاتها. حيث تعمل فولكس فاجن ورينو على تطوير سيارات كهربائية بأسعار معقولة، بينما تجمع تويوتا و هوندا بين السيارات الهجينة والكهربائية بالكامل. لذلك، فإن اختزال التحولات العالمية في استحواذ الصين على السوق الجماهيرية وانسحاب الغرب إلى السيارات الفاخرة يتجاهل تعقيد المشهد.

ولفهم تنافسية الشركات الصينية، ينبغي النظر إلى قدرتها على إتاحة التقنيات المتقدمة بأسعار معقولة. فقد انتقلت الابتكارات من السيارات الفاخرة إلى الجماهيرية مع انخفاض تكاليفها وانتشارها. وقد أسهمت المنافسة داخل السوق الصينية في تسريع هذه العملية. ففي عام 2025، كان سعر نحو 70 % من السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات المبيعة في الصين أقل من متوسط سعر السيارات التقليدية ذات محركات الاحتراق الداخلي. وأصبحت مقصورات القيادة الذكية، وأنظمة مساعدة السائق المتقدمة، ومحركات الدفع الكهربائية عالية الكفاءة، وتقنيات الشحن فائق السرعة، متاحة بصورة متزايدة للمستهلك العادي.

وبينما لا يزال مستقبل السيارة الرياضية الطائر التي يتصورها ماسك غير محسوم، أثبتت الصناعة الصينية أن التقنيات الجديدة لا ينبغي أن تظل حكرا على الفئات الباحثة عن الأداء الفائق، بل يمكن إتاحتها لشريحة أوسع من المستهلكين.

وتتمثل قوة صناعة السيارات الصينية في الجمع بين الابتكار التقني والتصنيع واسع النطاق واحتياجات السوق، بما يسرّع تطوير المنتجات ونشر التقنيات. وقد أسهم تطور منظومتها الصناعية وتكامل قطاعات بطاريات الطاقة وأنظمة الدفع والتحكم الكهربائية والتصنيع الذكي في تعزيز قدرات الشركات على تحديث تقنياتها ومنتجاتها بوتيرة متسارعة.

كما يوفر السوق المحلي الضخم بيئة واسعة لتجربة التطبيقات، فيما يدفع طلب المستهلكين على التقنيات الذكية والتحول الكهربائي الشركات إلى التطوير المستمر.

وتتميز المنافسة داخل السوق الصينية بشدة وتيرتها، وهو ما يظهر في خروج عدد كبير من شركات مركبات الطاقة الجديدة من سباق المنافسة في السوق خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، أسهمت هذه المنافسة في رفع الكفاءة وتعزيز الابتكار ودفع الصناعة إلى موقع متقدم عالميا.

ومن هذا المنظور، يبدو النظر إلى تطور صناعة السيّارات الصينية على أنه استحواذ على السوق، تضخيما لمخاطر المنافسة وتجاهلا للفرص التي تتيحها في المقابل. فقد أحدث دخول تسلا إلى الصين ما يُعرف بتأثير سمك السلور، أي تحفيز المنافسين ورفع وتيرة التطوير. كما فرض مصنعها الضخم في شنغهاي ضغوطا على الشركات المحلية، لكنه أتاح للموردين الصينيين اكتساب خبرات تقنية وتحسين كفاءة الإنتاج وجودته، محققا تقدما متبادلا.

وتؤكد الشراكات الراهنة، مثل التعاون بين “إكس بينغ” و”فولكس فاجن”، وبين “جيلي” و”فورد”، نشوء شبكة عالمية جديدة للابتكار في صناعة السيارات.

وبالنظر إلى مسيرة تطور صناعة السيّارات في العالم، ظلّت المنافسة دائما حافزا لتطوير الصناعة ونشر التقنيات. فالولايات المتحدة أحدثت ثورة في الإنتاج الضخم، واليابان رفعت الكفاءة عبر دقّة التصنيع، فيما رسخت أوروبا مكانتها في التكنولوجيا وتطوير العلامات التجارية.

واليوم، يضيف صعود الصين فصلا جديدا إلى هذا التاريخ. وبدلا من اعتبار المنافسة “لعبة صفرية المحصّلة”، ينبغي التركيز على تعزيز الابتكار والتعاون لرفع تنافسية القطاع بأكمله. فصعود صناعة السيارات الصينية لا ينتقص من مستقبل الصناعة العالمية، بل يفتح أمامها آفاقا أرحب.

المصدر: arabic.people.com.cn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *