بقلم – كسينا سفيتلوفا – كاتبة إسرائيلية – • منذ سنة 2016، تُعرِّف دول الخليج العربية حزب الله بأنه منظمة “إرهابية”، كما أن عواصم عربية أُخرى لا تكنّ أي تعاطف، أو احترام، للذراع الإيرانية المسلحة في قلب لبنان. ومع ذلك، أصدرت دولتان عربيتان بالغتا الأهمية، هما السعودية ومصر، خلال الأيام الأخيرة، بيانات شديدة اللهجة ضد ما وصفتاه بأنه انتهاك إسرائيلي للسيادة اللبنانية وتوسيع للعملية العسكرية في الجنوب اللبناني، وأعلنت الدولتان دعمهما للدولة اللبنانية. وجاء في البيان السعودي صراحةً أن الرياض تدعم الحق الحصري للدولة اللبنانية في حيازة السلاح، وتدعو إلى تنفيذ اتفاق الطائف العائد إلى سنة 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية. • هذه المرة، لا يتعلق الأمر بإدانة روتينية، على الرغم من كثرة مثل هذه الإدانات في الأعوام الأخيرة؛ فالقادة العرب قلِقون مما يجري في غزة والضفة الغربية، ولا سيما في القدس وحول المسجد الأقصى، كما أن العواصم العربية شديدة الحساسية تجاه مسألة السيادة، ويبدو كأن كل طرف يستطيع بسهولة أن يتخيل نفسه، أو جيرانه، في وضع مُشابه. • في حزيران/يونيو 1982، أدى الاجتياح الإسرائيلي للبنان، والسيطرة المطولة على الأراضي اللبنانية، والأحداث العنيفة التي هزّت لبنان، إلى فتور ملحوظ في العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، وحدث ذلك بعد ثلاثة أعوام فقط على توقيع اتفاقية السلام بين البلدين؛ حينها، شعر المصريون بأنهم تعرّضوا للخيانة بشكل خاص. • الوضع مختلف ومتشابه في آنٍ معاً؛ نعم، يدرك العرب جيداً أن الحكومة اللبنانية، على الرغم من نياتها الحسنة، فإنها ما زالت غير قادرة على نزع سلاح حزب الله. وهم يعلمون أيضاً أنه عندما يشتعل شمال إسرائيل، فلن ينعم الجنوب اللبناني بالهدوء، لكنهم في الوقت عينه، يرون بوضوح ما يعتبرونه تحركاً إسرائيلياً لإعادة إنشاء “الحزام الأمني” داخل الأراضي اللبنانية، والتدمير المنهجي للقرى في الجنوب اللبناني، والتصريحات الصادرة عن إيتمار بن غفير التي يصفها كثيرون بالمتطرفة، والتي دعا فيها إلى إقامة مستوطنات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، فضلاً عن المحاولات القديمة لجماعات متشددة تعبر الحدود إلى لبنان وترسم خططاً لإقامة تجمعات سكنية جديدة هناك. • اليوم، غالباً ما يتم في إسرائيل تجاهُل تصريحات بن غفير وشركائه في الائتلاف الحكومي، الذين يواصلون الحلم بالعودة إلى غزة أيضاً في إطار ما يصفونه بـ”فترة المعجزة” التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي منذ هجمات السابع من أكتوبر؛ أمّا في الدول العربية، فيُنظر إلى هذه التصريحات بمنتهى الجدية. • وفي نهاية المطاف، قبل نحو خمسين عاماً، بدأت أولى المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة بالطريقة نفسها تقريباً، وكان كثيرون يعتبرونها آنذاك أمراً عابراً، أو مجرد ظاهرة هامشية، وليست سياسة طويلة الأمد. • وعندما تُضاف إلى ذلك التصريحات المتكررة لمسؤولين إسرائيليين كبار بشأن الحفاظ على وجود إسرائيلي طويل الأمد في جنوب سورية، تتشكل لدى كثيرين في الشرق الأوسط قناعة بأن إسرائيل لا تسعى فقط للأمن، بل أيضاً لتوسيع نطاق سيطرتها الإقليمية، وهو ما يُعتبر تطوراً غير مسبوق منذ حربَي 1967 و1973. ويتوافق هذا التصور مع انتشارٍ واسع لنظريات المؤامرة المتعلقة بفكرة “إسرائيل الكبرى”، والتي انتشرت في الشرق الأوسط، حتى قبل قيام دولة إسرائيل، وما زالت تحظى باهتمام واسع في الرأي العام العربي حتى اليوم. • وكلّ مرة يظهر فيها بتسلئيل سموتريتش، وهو يحمل خريطة لا يظهر فيها الأردن، أو يدعو فيها بن غفير إلى توطين إسرائيليين في الجنوب اللبناني، فإن ذلك يغذي أكثر نظريات المؤامرة تطرفاً وانتشاراً، وهي نظريات يعرفها جيداً كلّ باحث متخصص في شؤون الشرق الأوسط. • هناك أيضاً قلق في الدول العربية المعتدلة من أن تؤدي التحركات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني إلى إضعاف الدولة اللبنانية ومنح حزب الله شرعية جديدة؛ لقد بنى الحزب مكانته خلال الوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، باعتباره “المقاومة الشرعية التي تدافع عن الوطن اللبناني”. ومنذ انسحاب إسرائيل من لبنان في سنة 2000، مرّ أكثر من عقدين، وبدأ كثيرون من اللبنانيين يتساءلون: لماذا لا يزال حزب الله يحتفظ بسلاحه، على الرغم من أن اتفاق الطائف، الذي أُبرم في سنة 1989 وأنهى الحرب الأهلية اللبنانية، نصّ بوضوح على نزع سلاح جميع الميليشيات المسلحة؟ • وخلال هذا الأسبوع، أعلن عدد من النواب المنتمين إلى حزب الله أنه في ظل التصعيد الأمني وما وصفوه بالمحاولة الإسرائيلية لـ”إعادة السيطرة على مواقع لبنانية”، لم يعُد هناك مبرّر للحديث عن نزع سلاح الحزب، وأنه ما زال ملتزماً “الدفاع عن الوطن”، مثلما كان في السابق. • من المؤكد أن الجميع لن يصدق هذه الرواية فوراً، لقد سارع النواب المعارضون لحزب الله إلى اتهام التنظيم الموالي لإيران بأن سياساته وأفعاله هي التي أتاحت لإسرائيل مهاجمة لبنان والسيطرة على أجزاء من أراضيه؛ ومع ذلك، من الواضح أنه إذا استمر الوضع الحالي فترة طويلة، فسيكون من الأصعب على الحكومة اللبنانية إحداث شرخ داخل البيئة الشيعية واستقطاب جزء من هذه القاعدة الشعبية إلى جانب الدولة في مواجهة حزب الله؛ إن الوضع في لبنان بالغ الحساسية، وكلّ خطوة يجب أن تُدرَس بعناية، لأن أيّ خطأ يمكن أن يقلب الموازين في بلد تحوّل منذ زمن إلى ساحة تنافُس بين إسرائيل وإيران وسورية ودول أُخرى. • إن رفع العلم فوق قلعة الشقيف لن يعيد الأمن إلى سكان شمال إسرائيل الذين يعيشون حالة مستمرة من الخوف وعدم الاستقرار، والطريقة الوحيدة لتغيير الواقع جذرياً تتمثل في بناء مؤسسات الدولة اللبنانية بشكل متواصل، إلى جانب إضعاف حزب الله بصورة منهجية، عبر أدوات عسكرية واقتصادية وسياسية واجتماعية، وبالتنسيق مع الدول العربية التي ترغب هي أيضاً في رؤية لبنان متحرراً من النفوذ والتدخل الإيرانيّين. • لقد حان الوقت للانتقال من الشعارات إلى العمل الجاد والعمليات الطويلة الأمد التي يمكن أن تقود لبنان وإسرائيل إلى تغيير حقيقي في الواقع؛ أمّا غياب سياسة واضحة في المرحلة الحالية، فهو لا يهدد فقط فرص تحسين الوضع في لبنان، بل أيضاً إمكان قيام تعاون إقليمي حقيقي مع الدول التي تريد أن ترى في إسرائيل شريكةً، وليست مصدراً للفوضى. المصدر: قناة N12 الإسرائيلية – نقلاً عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية Post Views: 3 تصفّح المقالات هآرتس: تهديدات نتنياهو وكاتس كانت فارغة من المضمون باحث إسرائيلي: “حماس” قلقة من أن الاتفاق بين ترامب وإيران قد يؤدي للتخلّي عن غزة