غزة 15 أكتوبر 2026 (شينخوا) تجلس أم طارق أبو عمشة أمام فرن طيني صغير، تجمع قصاصات الكرتون لإشعال النار وخبز أرغفة لأطفالها السبعة، في محاولة لتوفير وجبة الإفطار لهم مع حلول الظهيرة، وسط صعوبات متزايدة في تأمين الغذاء بسبب ارتفاع الأسعار ومحدودية الدخل. وفي أحد الطوابق المتضررة داخل الجامعة الإسلامية بمدينة غزة، تكافح الأم النازحة من بلدة بيت حانون شمالي القطاع لتوفير الطعام لأبنائها، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وعجزها عن شراء احتياجاتهم الأساسية. وتقول أم طارق لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن توفير الطعام أصبح معركة يومية، حتى مع عودة بعض السلع إلى الأسواق، إذ لا تزال أسعار كثير من المواد الغذائية تفوق القدرة الشرائية لأسرتها. وتضيف “نخبز على الفرن الطيني، ونعد لأطفالنا الخبز بالزيت والزعتر والجبنة، نحاول ألا نتركهم جائعين، لكننا لا نستطيع توفير كل ما يحتاجون إليه”. وعندما تذهب إلى السوق، تحسب الأم تكلفة كل صنف قبل شرائه، بعدما تجاوزت الأسعار قدرتها الشرائية. وتقول “قد نشتري البندورة بخمسة شواكل، والفلفل بخمسة أخرى، والبصل بشيكل، ثم نحاول تدبير بقية احتياجاتنا بحسب المال المتبقي… كل شيء أصبح غاليا”. وأصبحت اللحوم من الأصناف النادرة على مائدة العائلة، إذ لا تستطيع الأم شراءها إلا مرة كل أسبوع أو أسبوعين، عندما تسمح ظروفها المالية بذلك. وتضيف “عندما نحصل على دجاجة أو قطعة سمك أو صدر دجاج، نفرح جميعا، ونشعر وكأن شيئا نزل علينا من السماء. وإذا اشترينا نصف كيلوغرام من اللحم المفروم، نحاول تقسيمه حتى يكفي الجميع”. وتكتفي العائلة بوجبتين يوميا لتدبير الطعام المتاح، لكن أكثر ما يقلق أم طارق أن أطفالها فقدوا كثيرا من أوزانهم خلال أشهر الجوع ولم يستعيدوها بالكامل. وتشرح “أجسام أطفالي لم تعد كما كانت.. أخشى على صحتهم ونموهم ومناعتهم، فنحن نأكل ما نستطيع شراءه، وليس ما يحتاج إليه الجسم.. لا أعرف كيف أعوضهم عما فقدوه”. وعلى مقربة منها، تعيش أم أحمد قاسم (51 عاما) مع أفراد من عائلتها في خيمة داخل الجامعة الإسلامية.. وقد اضطرت إلى النزوح مرارا منذ اندلاع الحرب، فيما جعل فقدان مصادر الدخل تأمين الطعام والدواء أكثر صعوبة. وتقول أم أحمد لـ((شينخوا)) إن عائلتها تعتمد في أيام كثيرة على الخبز مع البندورة أو الخيار أو الزعتر، بينما تشرب الشاي من دون سكر عندما لا تستطيع شراءه. وتضيف “أذهب إلى السوق وأرى ما يحتاج إليه أبنائي، لكنني لا أستطيع شراءه.. الطعام موجود، لكن المال غير موجود.. أحيانا أعود من السوق من دون أن أشتري ما ذهبت من أجله”. وتزداد معاناة الأم بسبب إصابتها بمرض السكري وحاجتها إلى الأدوية والغذاء المناسب لحالتها الصحية. وتشرح “أحتاج إلى العلاج، لكنني بالكاد أستطيع توفير الطعام لأبنائي. أحيانا لا أستطيع اختيار الطعام المناسب لمرضي، بل آكل ما يتوفر أمامي.. وأكثر ما يخيفني هو صحة أبنائي وأحفادي، فهم يحتاجون إلى طعام جيد لا أملك المال لتوفيره”. وتعكس معاناة المرأتين أزمة أوسع في قطاع غزة، حيث لا يعني توافر بعض المواد الغذائية في الأسواق قدرة العائلات على شرائها أو الحصول على وجبات متوازنة. وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن 74 ألفا و855 شاحنة مساعدات إنسانية دخلت القطاع من أصل 219 ألف شاحنة كان من المفترض دخولها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، بنسبة التزام بلغت نحو 34 بالمئة. وتسلط هذه الأرقام الضوء على الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية وحجم المساعدات التي وصلت إلى السكان. وفي المقابل، أظهر تحليل حديث للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، أعدته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي في يوليو الماضي، تحسنا في الأمن الغذائي وتغذية الأطفال، لكنه حذر من أن المكاسب لا تزال هشة. ووفقا للتحليل، يواجه نحو 1.4 مليون شخص، أي 67 بالمئة من سكان القطاع، مستويات حرجة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مقارنة بنحو 1.6 مليون شخص، أو 77 بالمئة من السكان، في نهاية عام 2025. ولا يزال نحو 212 ألف شخص يواجهون ظروفا طارئة من انعدام الأمن الغذائي. وعزت الوكالات التحسن جزئيا إلى توسيع نطاق المساعدات الإنسانية. ففي مايو 2026، وصلت الطرود الغذائية إلى نحو 1.5 مليون شخص، واستفاد نحو 700 ألف شخص من المساعدات النقدية متعددة الأغراض، فيما وصلت خدمات الدعم التغذوي إلى 60 بالمئة من الأطفال دون الخامسة. لكن الوكالات شددت على أن الحصص الغذائية لا تزال غير كافية من حيث الكمية والجودة والتنوع، بسبب عدم انتظام دخول المنتجات الطازجة ومصادر البروتين. وتوقع التحليل أن يحتاج نحو 74 ألف طفل إلى العلاج من سوء التغذية الحاد خلال العام المقبل، إضافة إلى نحو 25 ألف امرأة حامل ومرضعة يحتجن إلى دعم تغذوي. وفي هذا السياق، قالت طبيبة التغذية رولا الوادية لـ((شينخوا)) إن متوسط احتياجات البالغين يبلغ نحو ألفي سعرة حرارية يوميا، مع اختلاف الاحتياجات بحسب العمر والجنس ومستوى النشاط البدني والحالة الصحية. وأوضحت أن الحصول على كمية كافية من السعرات الحرارية لا يعني بالضرورة تلبية احتياجات الجسم من العناصر الغذائية الأساسية. وأضافت أن الاعتماد على نظام غذائي محدود التنوع قد يؤدي إلى نقص البروتينات والفيتامينات والمعادن الضرورية للصحة والنمو، ولا سيما لدى الأطفال. وقد يتسبب نقص الطاقة والبروتين في فقدان الوزن وضعف الكتلة العضلية، فضلا عن إضعاف وظائف الجهاز المناعي وتقليل قدرة الجسم على مقاومة العدوى والتعافي من الأمراض. وأشارت الوادية إلى أن نقص البروتين والحديد والزنك وبعض الفيتامينات قد يسهم في ضعف الشعر أو تساقطه، فيما قد يؤدي سوء التغذية الشديد إلى جفاف الجلد وفقدانه مرونته.. لكنها نبهت إلى أن هذه العلامات قد تنتج عن أسباب صحية أخرى، ولا تكفي وحدها لتشخيص سوء التغذية. وشددت على أن معالجة المشكلة تتطلب ضمان توافر الغذاء بكميات كافية وتنوع مناسب، بما يشمل مصادر البروتين كاللحوم والبيض، إلى جانب الخضراوات والفواكه، فضلا عن تعزيز خدمات التغذية العلاجية للفئات الأكثر عرضة للخطر. وتواجه جهود استعادة الأمن الغذائي تحديات إضافية، إذ أشار التحليل الأممي إلى تعذر الوصول إلى أكثر من 70 بالمئة من الأراضي الزراعية في قطاع غزة، فيما لا تتجاوز مساحة الأراضي القابلة للاستخدام ثلاثة بالمئة، الأمر الذي يحد من قدرة المزارعين على استئناف الإنتاج المحلي وتوفير الغذاء وفرص العمل. وتأتي هذه الأوضاع قبيل يوم الغذاء العالمي، الذي يوافق يوم غد (الجمعة) 16 أكتوبر الجاري، في وقت لا تزال فيه عائلات كثيرة تكافح لتأمين غذاء كاف ومتنوع، رغم التحسن المسجل في بعض مؤشرات الأمن الغذائي. ويبرز هذا الواقع هشاشة التحسن في ظل استمرار القيود التي تحول دون استعادة الإنتاج المحلي وتوفير الاحتياجات الغذائية للسكان. وبينما تواصل أم طارق إعداد الخبز لأطفالها السبعة، تحاول أم أحمد تدبير ثمن الطعام والدواء.. وعلى اختلاف ظروفهما، تواجه المرأتان صعوبة مشتركة في توفير احتياجات أسرتيهما، فيما يبقى تأمين غذاء كاف ومتنوع لأطفالهما تحديا يوميا. المصدر: arabic.news.cn Views: 2 تصفّح المقالات اختيار يين يوي تشن، الرائدة الصينية في مكافحة زحف الرمال، ضمن قائمة الفاو لأبرز 100 امرأة بطلة معرض "كانتون" يعقد في جنوبي الصين