المستشار أخمد يوسفالمستشار أخمد يوسف

بقلم: المستشار د. أحمد يوسف*

سيبقى السؤال الأكثر حضورًا بعد هذه الحرب الكبرى التي بدأت شرارتها في السابع من أكتوبر 2023: من الذي انتصر؟ وهل يمكن أصلًا الحديث عن منتصر حقيقي في حربٍ تجاوزت حدود فلسطين وإسرائيل، ثم تمددت إلى الإقليم بأسره، قبل أن تنتهي إلى مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، لتكتسب أبعادًا دولية تتجاوز الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط؟

في الحروب التقليدية كان المنتصر يُعرف من خلال السيطرة على الأرض أو إسقاط الأنظمة أو فرض الشروط السياسية. أما في حروب هذا العصر، فإن حسابات الربح والخسارة أصبحت أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والنفسية، وتصبح النتائج النهائية رهينة بما تفرزه السنوات اللاحقة أكثر مما تفرزه ميادين القتال نفسها.

يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أدرك، بعد انخراط بلاده المباشر في المواجهة مع إيران، أن واشنطن قد انجرت إلى مسار كان يخدم بالدرجة الأولى الحسابات الاستراتيجية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتحالفه اليميني المتطرف. فإسرائيل كانت تدرك أن قدرتها على خوض مواجهة طويلة مع إيران محدودة، وأن كسر الإرادة الإيرانية عسكريًا أمر يصعب تحقيقه دون تدخل أمريكي مباشر وحاسم.

في المقابل، أظهرت إيران قدرًا كبيرًا من الصبر الاستراتيجي والمهارة السياسية. فالدولة التي تمتلك إرثًا حضاريًا ضاربًا في التاريخ، وتستند إلى خبرة طويلة في إدارة الصراعات والتفاوض، استطاعت أن توظف أوراق القوة التي تمتلكها بطريقة جعلت خصومها يعيدون حساباتهم. وقد كشفت المواجهات العسكرية أن إيران لا تزال قادرة على الرد وإيقاع الأذى بخصومها، وأن قدرتها على الصمود أكبر مما كانت تتوقعه بعض الدوائر الغربية والإسرائيلية.

ومن هنا جاء التفاهم الذي أفضى إلى وقف التصعيد بين واشنطن وطهران، ليشكل ضربة سياسية قاسية لنتنياهو الذي كان يأمل في استدراج الولايات المتحدة إلى مواجهة أوسع وأكثر استدامة. فبالنسبة له، كانت الحرب تمثل فرصة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية وإطالة عمره السياسي في الداخل الإسرائيلي. أما انتهاء المواجهة دون تحقيق أهدافه الكبرى، فقد أعاد إلى الواجهة أزماته السياسية والقضائية، وأعاد فتح النقاش داخل إسرائيل حول مستقبله واحتمالات خروجه من المشهد السياسي، بل وربما مواجهة مصير قضائي لا يزال يطارده.

أما حركة حماس، فقد دفعت أثمانًا باهظة على المستويين البشري والعمراني. لقد تعرض قطاع غزة لدمار غير مسبوق، وسقط عشرات الآلاف من الضحايا، وتفككت بنى اجتماعية واقتصادية كاملة. ومن هذه الزاوية يصعب الحديث عن انتصار عسكري مباشر للحركة. لكن في المقابل، أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي بعد سنوات من التهميش، وأعادت طرح سؤال العدالة والحقوق الوطنية الفلسطينية على الأجندة الدولية بصورة غير مسبوقة.

ولعل أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب يتمثل في التراجع الكبير للصورة الأخلاقية التي سعت إسرائيل إلى ترسيخها لعقود طويلة. فقد كانت رواية الهولوكوست تمثل أحد أهم مصادر الشرعية الأخلاقية والسياسية للدولة العبرية في الغرب، غير أن مشاهد الدمار والقتل الجماعي في غزة دفعت قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي إلى عقد مقارنات قاسية بين ممارسات إسرائيل الحالية وبين صفحات سوداء من التاريخ الأوروبي. وأصبح من المألوف اليوم سماع أصوات أكاديمية وسياسية وإعلامية تتحدث عن جرائم حرب، بل وتستحضر تشبيهات لم تكن واردة في الخطاب الغربي قبل سنوات قليلة.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن إيران تبدو، من منظور حسابات المآلات الاستراتيجية، من بين أكثر الأطراف استفادة من نتائج هذه المواجهة، رغم الخسائر التي تكبدتها في الأرواح والبنية التحتية والاقتصاد. فقد خرجت بصورة الدولة القادرة على الصمود، ونجحت في فرض نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية أو سياسية تخص المنطقة.

كما أن مشاريع التطبيع التي كانت تتقدم بخطى متسارعة قبل الحرب مرشحة للتباطؤ، وربما لإعادة المراجعة في عدد من العواصم العربية. وفي الوقت ذاته، تبدو العلاقات بين إيران ودول الخليج مرشحة لمزيد من التحسن التدريجي، مدفوعة بقناعة متزايدة لدى الجميع بأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر المواجهة الدائمة، بل عبر بناء منظومة تفاهمات ومصالح مشتركة.

ومن المرجح أن تشهد السنوات المقبلة تحولات مهمة في خريطة التحالفات الإقليمية. فالصين تواصل تعزيز حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة، بينما تتراجع القدرة الأمريكية على فرض رؤيتها بصورة منفردة كما كان الحال خلال العقود الماضية. وقد يكون هذا التحول أحد أبرز النتائج غير المباشرة للحرب.

أما إسرائيل، فإنها تواجه اليوم تحديات وجودية لم تعرفها منذ عقود. فإلى جانب أزماتها الداخلية المتفاقمة، وتراجع صورتها الدولية، وتنامي الانتقادات الغربية لسلوكها السياسي والعسكري، أصبحت تجد نفسها أكثر عزلة مما كانت عليه في السابق. صحيح أنها ما تزال تمتلك عناصر قوة كبيرة، ودعمًا أمريكيًا واسعًا، لكن المؤشرات تدل على أن قدرتها على احتكار السردية السياسية والأخلاقية في الغرب لم تعد كما كانت.

ولا يعني ذلك أن إسرائيل على وشك الانهيار، أو أن نفوذها في الولايات المتحدة وأوروبا قد انتهى، فمثل هذه الأحكام المتعجلة لا تستند إلى قراءة واقعية لموازين القوى. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن اتجاهات الرأي العام العالمي، وخاصة بين الأجيال الشابة في الغرب، بدأت تتحرك بصورة متزايدة نحو مراجعة كثير من المسلمات التي حكمت العلاقة مع إسرائيل لعقود طويلة.

وفي النهاية، ربما لا يكون هناك منتصر كامل في هذه الحرب، فالجميع دفع أثمانًا باهظة. لكن إذا كانت الحروب تُقاس بنتائجها السياسية والاستراتيجية بعيدة المدى، فإن المنطقة تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تتراجع فيها بعض المسلمات القديمة، وتتشكل فيها توازنات مختلفة عمّا عرفناه خلال العقود الماضية.

أما الصورة الكاملة، فلن تتضح في الدخان المتصاعد من ساحات المعارك، بل في السنوات القادمة، حين تكشف الأحداث ما إذا كانت هذه الحرب قد شكلت بداية أفول مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة، أم أنها مجرد محطة أخرى في صراع طويل لم يصل بعد إلى فصوله الأخيرة.

*أكاديمي وباحث فلسطيني، رئيس “معهد بيت الحكمة للاستشارات والبحوث وحل النزاعات” في غزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *