شؤون آسيوية – ديما دعبول:
تدخل العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة مرحلة شديدة الحساسية، مع تصاعد غير مسبوق في الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وتضييق هامش المناورة الدبلوماسية بين الطرفين.
وبينما تتحدث تقارير إعلامية أميركية وإسرائيلية عن اقتراب قرار عسكري، تؤكد طهران أنها تتعامل مع المسارين، التفاوضي والدفاعي، بالتوازي، رافضة الرضوخ لما تصفه بـ “سياسة الإملاءات”.
التطورات الأخيرة تعكس لحظة مفصلية قد تعيد رسم ملامح الصراع في المنطقة، في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تبدو – وفق تقارير – أقرب من أي وقت مضى إلى خيار القوة.
إدارة ترامب ترفع سقف التهديد
بحسب ما نقل موقع أكسيوس عن مصادر مطلعة، فإن إدارة ترامب باتت أقرب إلى خوض “حرب كبرى” ضد إيران، قد تبدأ قريباً جداً وتستمر أسابيع.
وتُقدَّر بعض الأوساط المحيطة بالرئيس الأميركي احتمال تنفيذ عمل عسكري خلال الأسابيع المقبلة بنسبة مرتفعة، في ظل قناعة داخل البيت الأبيض بأن المسار الدبلوماسي يقترب من نهايته الطبيعية.
وفي مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن المحادثات مع إيران “سارت بشكل جيد من بعض النواحي”، لكنه أشار إلى أن الرئيس وضع “خطوطاً حمراء” لا يبدو أن الإيرانيين مستعدون للاعتراف بها أو التعامل معها.
وأضاف أن ترامب يرغب في التوصل إلى اتفاق، لكنه في الوقت ذاته “لن يقبل باتفاق ضعيف”.
كما نقلت تقارير أن بعض مستشاري ترامب حذّروه من الانزلاق إلى حرب واسعة، غير أن الرئيس – وفق المصادر ذاتها – بدأ يفقد صبره، وسط تقديرات بأن أي ضربة محتملة ستكون أقرب إلى حملة شاملة منها إلى عملية محدودة الأهداف.
حشد عسكري غير مسبوق في الشرق الأوسط
ميدانياً، وسّعت الولايات المتحدة انتشارها العسكري ليشمل حاملتي طائرات، ونحو 12 سفينة حربية، ومئات الطائرات المقاتلة، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متطورة، كما نُفذت أكثر من 150 رحلة شحن عسكرية لنقل أسلحة وذخائر إلى المنطقة.
ومن أبرز المؤشرات تحرك حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford بكامل مجموعتها القتالية إلى شرق المتوسط، في خطوة اعتُبرت استثنائية وتحمل رسائل واضحة.
كما جرى تعزيز أساطيل طائرات التزود بالوقود، ما يتيح تنفيذ عمليات جوية بعيدة المدى، سواء أميركية أو بالتنسيق مع إسرائيل.
هذا الحشد يعيد إلى الأذهان مستوى الانتشار الذي شهدته المنطقة إبان حرب الخليج عام 1991، ما يعكس حجم الجدية في الاستعدادات، حتى لو لم يُتخذ القرار النهائي بعد.
طهران: جاهزية دفاعية ومواصلة للتفاوض
في المقابل، أكدت إيران أن جيشها في حالة تأهب قصوى، وبعد جلسة وزارية في طهران لبحث نتائج المفاوضات، شددت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني على أن السلطات تتابع “مسار التفاوض والجاهزية الدفاعية بشكل متوازٍ”.
كما قدّم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عرضاً مفصلاً حول تطورات المفاوضات وآلية تقدمها، مؤكداً أن إيران ما زالت منفتحة على الحل الدبلوماسي، لكنها لن تقبل بشروط تمس سيادتها أو حقوقها النووية.
التقارير تشير إلى أن الفجوات بين الجانبين لا تزال واسعة، وأن المقترحات التي طُرحت في جنيف بعيدة عن الحد الأدنى الذي تطلبه واشنطن.
ورغم حديث بعض الأطراف عن “تقدم”، فإن المزاج العام في الإدارة الأميركية لا يعكس تفاؤلاً حقيقياً بإمكانية تضييق الهوة.
إسرائيل بين الجاهزية والرهان على واشنطن
في إسرائيل، ناقشت لجنة الخارجية والأمن في الكنيست مستوى الجاهزية الداخلية في حال تصعيد عسكري.
وقال رئيس اللجنة بوعاز بيسموت إن إسرائيل تواجه “تحديات كبيرة على الساحة الإيرانية”، مؤكداً العمل على ضمان جاهزية الجبهة الداخلية لمختلف السيناريوهات.
وتشير تقديرات إلى أن أي حملة عسكرية محتملة قد تكون أميركية–إسرائيلية مشتركة، بحيث تتولى الولايات المتحدة معالجة البنية النووية، بينما تركز إسرائيل على منظومات الصواريخ الإيرانية.
غير أن مصادر عدة تؤكد أن إسرائيل ستكون، في حال وقوع الهجوم، شريكاً ثانوياً في حدث تديره واشنطن.
بين إسقاط النظام وضرب المنشآت
أحد أبرز الأسئلة المطروحة يتعلق بهدف الضربة المحتملة: هل تسعى واشنطن إلى إسقاط النظام الإيراني أم إلى توجيه ضربة موجعة لإجباره على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط مختلفة؟
وفق أوساط أميركية رفيعة، يبدو أن فكرة إسقاط النظام لم تعد هدفاً واقعياً، حتى لو كانت مطروحة في وقت سابق.
البديل الأكثر ترجيحاً هو تنفيذ ضربة نارية مكثفة على مدى أيام، تُلحق أكبر ضرر ممكن بالبنية النووية والعسكرية، بما يدفع طهران إلى تقديم تنازلات لاحقة.
غير أن التجربة السابقة أظهرت أن التقديرات بشأن سلوك إيران قد لا تكون دقيقة دائماً، وأن الرد الإيراني إن حصل قد يفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب.
حسابات القوة والصبر
المشهد الحالي يعكس معادلة معقدة: إدارة أميركية تلوّح بالقوة القصوى لفرض شروط تفاوضية جديدة، وجمهورية إسلامية ترى في الصمود وعدم التراجع ضمانة للحفاظ على موقعها الإقليمي وسيادتها.
حتى اللحظة، لم يصدر قرار رسمي بالحرب، لكن حجم الحشد العسكري، والتصريحات المتشددة، وتراجع التفاؤل الدبلوماسي، كلها عوامل تشير إلى أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حاسم.
وبينما تواصل طهران التأكيد على تمسكها بالمسار التفاوضي وحقوقها، تزداد الضغوط الأميركية في محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك.
الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الشرق الأوسط مقبلاً على جولة تصعيد كبرى، أم أن نافذة الدبلوماسية رغم ضيقها ستبقى مفتوحة.

