شؤون آسيوية – خاص –
أُنشئ مخيم الهول في شمال شرقي سوريا عام 2016 في البداية كمأوى عاجل للنازحين الفارين من الحرب، لكن سرعان ما تحول إلى أكبر تجمع لعائلات مقاتلين أجانب مرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
المخيم استقبل نساء وأطفالاً ممن فقدوا آباءهم أو كانوا يعيشون مع مقاتلين، الأمر الذي خلق بيئة معقدة تجمع بين الأبعاد الإنسانية والأمنية والسياسية.
مع مرور السنوات، أصبحت ظروف المعيشة شديدة الصعوبة، مع اكتظاظ الخيام، ونقص المياه والكهرباء، وتراجع الدعم الطبي والغذائي، ما جعل المخيم أحد أكثر أماكن النزوح هشاشة في العالم.
إخلاء كامل وإغلاق نهائي للمخيم
أعلنت السلطات السورية في 22 شباط فبراير 2026 إغلاق المخيم بعد نقل آخر قاطنيه، لتصبح هذه الخطوة نهاية مرحلة استمرت لعقد كامل.
عملية الإخلاء شملت الآلاف من النساء والأطفال، إضافة إلى بعض الرجال الذين لم يتم ترحيلهم سابقاً، وتم نقلهم إلى مراكز احتجاز مؤقتة أو إعادة توطينهم داخل سوريا أو خارجها.
القرار جاء بعد سيطرة الحكومة السورية المؤقتة على المخيم عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي كانت تدير المخيم لسنوات.
سيطرة دمشق سمحت للسلطات بتطبيق خطط الإخلاء بطريقة منظمة، مع إجراء تفتيش شامل للتأكد من عدم بقاء أي مقيمين في المخيم.
هذه الخطوة أثارت ردود فعل متباينة دولياً، بين من يرحب بالحد من المخاطر الأمنية، ومن يطالب بضمان حقوق الأطفال والنساء المحاصرين سابقاً في المخيم.
وجهات السكان بعد الإخلاء
النقل إلى مخيمات أخرى داخل سوريا
تم نقل غالبية العائلات السورية وغير السورية إلى مخيمات بديلة داخل سوريا، أبرزها إلى مخيم في بلدة أخترين بمحافظة حلب.
هذه المخيمات توفر حداً أدنى من الخدمات الإنسانية، لكنها لا تزال تفتقر إلى التسهيلات الأساسية، مثل التعليم المستمر للأطفال أو برامج الدعم النفسي للنساء اللواتي تعرضن لصدمات نفسية جراء فقدان أفراد العائلة والعنف الذي شهدنه.
النقل تم وفق ترتيبات محكمة لتجنب فوضى كبيرة وضمان تسجيل كل القاطنين المستقبليين لضبط الوضع الأمني.
الترحيل وإعادة التوطين
للمواطنين العراقيين، لعبت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دوراً مركزياً في تنظيم عمليات العودة إلى العراق.
تم نقل 191 شخصاً مؤخراً من المخيم إلى مراكز إعادة تأهيل في العراق، تشمل توفير سكن مؤقت، دعماً نفسياً، وتأهيلاً اجتماعياً للأطفال، تمهيداً لعودتهم إلى مجتمعاتهم الأصلية.
بعض البلدان الأوروبية بدأت أيضاً بعمليات تقييم لإعادة مواطنيها، مع التركيز على معالجة الأطفال الذين فقدوا أحد أو كلا الوالدين خلال السنوات السابقة.
مغادرة غير منظّمة
رصدت تقارير وجود عدد من القاطنين الذين غادروا المخيم بشكل فردي قبل تنفيذ عمليات الإخلاء الرسمية، مما يعكس حالة الفوضى والخوف من العقوبات أو الملاحقة القانونية.
هذه المغادرات الفردية أثارت مخاوف أمنية إضافية حول إمكانية انتقال أفراد مرتبطين بتنظيمات متطرفة إلى مناطق أخرى، سواء داخل سوريا أو عبر الحدود.
الأبعاد الإنسانية: معاناة واحتياجات معقدة
مع إغلاق المخيم، تبرز أزمة الأطفال والنساء الذين قضوا سنوات طويلة في بيئة محاصرة، وغالباً بدون تعليم مناسب أو رعاية صحية مستمرة.
هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى برامج خاصة لدعم التعليم والتأهيل النفسي، خصوصاً لمن تعرضوا للعنف أو فقدوا أقربائهم.
النساء، خاصة الأرامل والأمهات العازبات، تواجه تحديات في إعادة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، ويحتجن إلى برامج دعم نفسي واجتماعي طويل الأمد.
كما أن إعادة دمج العائلات الأجنبية تواجه عراقيل قانونية وسياسية معقدة، تتطلب التعاون بين الدول والمنظمات الدولية.
الأبعاد الأمنية والسياسية
تهديدات أمنية قبل وما بعد الإخلاء
مخيم الهول اعتُبر مصدر تهديد أمني طويل الأمد، لما يضم من أفراد مرتبطين بمقاتلين سابقين في تنظيم الدولة الإسلامية، مع إمكانية تكرار سلوك التطرف.
قبل الإخلاء، كان المخيم يشهد انتشار شبكات تهريب وتجنيد، ومحاولات فرار جماعية. بعد الإخلاء، تتواصل المخاوف من تحول بعض القادمين إلى مناطق سورية أخرى، أو حتى عودتهم إلى بلدانهم الأصلية مع أفكار متطرفة، ما يستدعي متابعة دقيقة من الأجهزة الأمنية.
غموض وإحراق أجزاء من المخيم بعد الإغلاق
رغم إعلان الإغلاق الكامل، شكّلت عمليات إحراق أجزاء من المخيم بعد تفريغه مصدراً لغموض وتساؤلات واسعة حول ما يجري هناك.
مشاهد متداولة أظهرت اندلاع حرائق في عدد من الخيام والمرافق بعد أن أصبح المكان فارغاً من السكان تقريباً، ما أثار تساؤلات حول الأسباب الحقيقية لهذه الحرائق، وهل جاءت كجزء من إزالة معالم المخيم، أو لحرق وثائق ومقتنيات، أو إجراء “تنظيف أمني” غير معلن.
ولا توجد توضيحات رسمية واضحة حتى الآن حول هذه الأحداث، ما يزيد من الضبابية حول مصير الآلاف الذين غادروا، خصوصاً الأجانب منهم.
مخاوف من “إعادة توزيع الخطر“
يرى مراقبون أن تفكيك المخيم لم يحدث بشكل مفاجئ أو عنيف كما حذّرت تقارير أمنية لسنوات، بل تم تدريجياً وبصمت، ما يشير إلى انتقال الخطر من مساحة محددة يمكن مراقبتها إلى انتشار أوسع داخل مجتمع يعاني أساساً من هشاشة أمنية واقتصادية.
الإشكالية الأساسية وفق تقارير، تكمن في غياب برامج شاملة لإعادة التأهيل النفسي والفكري والاجتماعي لآلاف النساء والأطفال الذين قضوا سنوات طويلة في بيئة أيديولوجية متشددة، إضافة إلى غياب آليات فرز قضائي واضحة تحدد مستويات الخطورة الفردية، ما يترك احتمال تكوين خلايا متطرفة يصعب رصدها.
كما يثير نقل الأسر إلى مخيمات أو مناطق متعددة، بعضها يفتقر إلى الرقابة الصارمة، مخاوف من إعادة إنتاج الفكر المتطرف في بيئات تعاني أصلاً من الفقر والتوترات الأمنية، ما يجعل الإغلاق النهائي للمخيم ليس نهاية التحديات بل بداية مرحلة جديدة تتطلب متابعة دقيقة وبرامج دعم وإعادة تأهيل مستمرة.
دلالات سياسية
إغلاق المخيم يعكس عودة الدولة السورية لفرض سيطرتها على مناطق كانت خارج السيطرة، ويرمز إلى تحولات سياسية داخلية وإقليمية. هذه الخطوة تتيح للسلطات فرض النظام والأمن، لكنها أيضاً تفتح ملفات حقوقية معقدة حول كيفية التعامل مع الأطفال والأسر الأجنبية.
نهاية مرحلة وبداية تحديات جديدة
إغلاق مخيم الهول يشكل نهاية مرحلة استمرت أكثر من عقد من الزمن، ويختتم أزمة إنسانية وأمنية استثنائية في شمال سوريا.
ومع ذلك، يفتح الملف الباب أمام تحديات جديدة: إعادة تأهيل العائدين، دمج الأطفال والنساء في المجتمع، تأمين الاستقرار في مناطق ما بعد النزاع، ومنع أي احتمال لعودة التطرف إلى المنطقة.
تبقى مسؤولية المجتمع الدولي والسلطات السورية مشتركة لضمان انتقال آمن ومنظم للفئات المتأثرة وإعادة بناء حياة مستقرة لهم.

