شؤون آسيوية – خاص –
دخلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة و”إسرائيل” مرحلة غير مسبوقة، مع إعلان طهران استشهاد قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، وعدد من كبار القادة العسكريين، بالتوازي مع توسيع نطاق عملياتها الصاروخية والجوية ضمن عملية “الوعد الصادق 4″، في ردّ مباشر على العدوان الأميركي – الإسرائيلي الذي استهدف أراضيها صباح السبت.
إعلان الاستشهاد وتفاصيل العدوان
فجر الأحد، أعلن التلفزيون الإيراني استشهاد قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران، السيد علي خامنئي، في مقر عمله في “بيت القيادة”، إثر هجوم وصف بالغادر وقع في الساعات الأولى من صباح السبت، ضمن عدوان أميركي – إسرائيلي طال عدة محافظات إيرانية.
ووفق وكالة “فارس” الإيرانية، استشهدت أيضاً كريمة السيد علي خامنئي، وصهره، وحفيده، خلال العدوان نفسه.
لاحقاً، أعلن التلفزيون الإيراني استشهاد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء عبد الرحيم موسوي، ووزير الدفاع العميد عزيز نصير زاده، إضافة إلى أمين مجلس الدفاع الأدميرال علي شمخاني، والقائد العام لحرس الثورة اللواء محمد باكبور، من جراء الهجوم.
وكان موسوي قد عُيّن في 13 يونيو رئيساً لهيئة الأركان خلفاً للواء محمد باقري، في المنصب العسكري الأعلى من حيث الرتبة والمسؤولية في البلاد. كما تولّى محمد باكبور قيادة حرس الثورة خلفاً للقائد حسين سلامي. أما علي شمخاني، فكان قد تسلّم مهام أمين مجلس الدفاع الوطني في 5 فبراير 2026 بقرار من رئيس الجمهورية.
تشكيل مجلس قيادة وانتظام الإجراءات الدستورية
في أعقاب إعلان الاستشهاد، أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني أنه تم، وفقاً للدستور، تشكيل مجلس قيادة يتسلّم مسؤوليات القائد إلى حين اختيار خلف له، مشدداً على أن الإجراءات الدستورية تسير في مسارها الطبيعي.
وقال لاريجاني إن “العدو واهم إذا ظن أن اغتيال القادة يمكن أن يزعزع إيران”، معتبراً أن استهداف القائد “خطأ فادح لن يمر من دون تبعات”. وأشار إلى أن الصواريخ الإيرانية التي أطلقت يوم أمس كانت “مؤلمة”، مضيفاً أن ما سيأتي “أشد ألماً”.
بدوره، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي أن شهادة السيد خامنئي ستكون “منطلقاً لانتفاضة عظيمة ضد طغاة العالم”. وأكدت الرئاسة الإيرانية أن استشهاده “لن يمر من دون رد”، وأن إيران ستعبر هذه المرحلة موحّدة ومرفوعة الرأس.
مواقف السلطات الإيرانية
رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف أكد أن إيران “استعدت لهذه اللحظة”، وأن مجلس القيادة سيواصل الطريق بعد استشهاد القائد، متوعداً الولايات المتحدة و”إسرائيل” بدفع الثمن بعد “تجاوز الخط الأحمر”.
رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي شدد على أن الأميركيين والإسرائيليين “لن ينتزعوا تنازلاً من الشعب الإيراني عن دماء قائده”، معتبراً أن البلاد دخلت مرحلة مواجهة مفتوحة.
أما وزير الخارجية عباس عراقتشي، فاعتبر أن “مدرسة الشهيد القائد ستبقى حيّة وملهمة”، مؤكداً أن طريقه “طريق الإيمان والمقاومة والأمل”.
الرد الإيراني: “الوعد الصادق 4”
عسكرياً، أعلن حرس الثورة الإسلامية، في بيانات متتالية، تنفيذ موجات متعددة من عملية “الوعد الصادق 4″، شملت هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة واسعة النطاق على أهداف أميركية وإسرائيلية.
في البيان الرقم 6، أكد الحرس تنفيذ الموجة السادسة بقوة، مستهدفاً 27 نقطة من القواعد الأميركية في المنطقة، إلى جانب قاعدة “تل نوف”، ومقر القيادة العامة لجيش الاحتلال في “هكرياه”، والمجمع الصناعي الدفاعي في “تل أبيب”.
وفي بيان آخر، أعلن الحرس أن الموجتين الثالثة والرابعة تُنفذان بشكل مستمر باستخدام صواريخ أكثر تطوراً من تلك التي استُخدمت في “وعد صادق 3″، “أدق وأكثر فتكاً”.
وشملت الأهداف القاعدة البحرية لجيش الاحتلال ورصيف السفن الحربية في ميناء حيفا، وقاعدة “رمات ديفيد” الجوية، ووزارة “الأمن” الإسرائيلية في “هاكريات”، إضافة إلى المستوطنة العسكرية – الصناعية “بيت الشمس” ومركز الصناعات العسكرية “شتود”.
كما أعلن الحرس استهداف قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وقاعدة الحرير في العراق، والقاعدة البحرية الأميركية في منطقة عبدالله المبارك بالكويت، إلى جانب استهداف سفن داعمة للعمليات الأميركية في المحيط الهندي، بينها السفينة “MSP” وسفينة قتالية من طراز “MST”.
وأكد الحرس أن العمليات ستتوسع وتتعّمق، وأن الموجات المقبلة ستكون “أكثر ضرراً وأشد”.
وأعلن الجيش الإيراني في بيانه الرقم 3 تنفيذ هجمات واسعة باستخدام مختلف أنواع الطائرات المسيّرة ضد مواقع ومصالح للعدو الصهيوني، إضافة إلى موجة جديدة من الهجمات على قواعد الولايات المتحدة في المنطقة. وأشار إلى استمرار العمليات الهجومية والدفاعية، مع توقع صدور بيانات إضافية في الساعات المقبلة.
حصيلة الضحايا المدنيين
على المستوى المدني، أعلنت النيابة العامة في محافظة هرمزكان، جنوب إيران، ارتفاع عدد ضحايا استهداف مدرسة ميناب الابتدائية للبنات إلى 148 شهيداً و95 جريحاً. وفي محافظة فارس، أفاد مسؤول محلي باستشهاد 20 لاعبة كرة طائرة جراء استهداف صالة رياضية في مدينة لامرد.
الهلال الأحمر الإيراني أعلن بدوره ارتقاء 201 شهيد و747 جريحاً جراء العدوان حتى الآن، في حصيلة مرشحة للارتفاع.
المشهد داخل إسرائيل والمنطقة
في المقابل، أعلن الاحتلال الإسرائيلي رصد رشقات صاروخية جديدة قادمة من إيران، مع سقوط صاروخ في مستوطنة بيت شيمش قرب القدس. ودوت صفارات الإنذار في مناطق الوسط، وحيفا، و”الكريوت”، والشمال، والقدس.
وسائل إعلام إسرائيلية أفادت بتضرر نحو 200 مبنى في “تل أبيب” جراء الصواريخ الإيرانية، وبوقوع أضرار كبيرة في دفعات لاحقة، شملت تدمير مبنى وإصابة مباشرة لهدف في المدينة. كما تحدثت عن ارتفاع عدد الإصابات إلى 21 مصاباً بينهم حالات حرجة، إضافة إلى مقتل مستوطنة.
على مستوى الإقليم، أفادت وكالة “أ ف ب” بدوي انفجارات في دبي مع تصاعد أعمدة الدخان، بالتوازي مع سماع انفجارات في الدوحة واندلاع حريق في منطقة صناعية.
التحرك الدبلوماسي
في الأمم المتحدة، أكد مندوب إيران لدى مجلس الأمن أمير سعيد إيرفاني أن ما قامت به الولايات المتحدة و”إسرائيل” يشكل انتهاكاً فاضحاً لميثاق الأمم المتحدة، وأن العدوان لا يستوفي أي معيار للدفاع عن النفس.
وقال إن التصريحات الصادرة عن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو بشأن تغيير النظام تؤكد طبيعة الهجوم، معتبراً أن الحرب ليست ضد إيران فقط بل ضد القانون الدولي.
في السياق نفسه، نقل عن السيناتور الديمقراطي جون أوسوف قوله إن ترامب “كذب على البلاد قبل ثمانية أشهر عندما ادعى أن الغارات الأميركية قضت على البرنامج النووي الإيراني”.
بين التصعيد والرد المفتوح
تؤكد البيانات الصادرة عن حرس الثورة أن “صوت صفارات الإنذار لن يتوقف في الأراضي المحتلة والقواعد الأميركية”، وأن العمليات ستتواصل بـ”صفعات متتالية”. كما أعلن الحرس الاستعداد لبدء “عملية هجومية هي الأشرس في تاريخ القوات المسلحة” في أي لحظة.
بذلك، يتكرس مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات واسعة، في ظل خسارة إيران رأس هرم قيادتها وعدد من أبرز قادتها العسكريين، مقابل انتقالها إلى نمط ردّ عسكري مباشر ومتعدد الجبهات، يتجاوز حدود المواجهة التقليدية إلى استهداف قواعد ومنشآت في أكثر من ساحة.
المرحلة الراهنة، وفق المواقف الإيرانية الرسمية، ليست مجرد ردّ تكتيكي، بل معركة مفتوحة يراد لها أن تعيد رسم معادلات الردع في المنطقة، في وقت تتزايد فيه مؤشرات اتساع رقعة المواجهة وتداخل مساراتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية.

