شؤون آسيوية – واشنطن –
صباح السبت، دوّت انفجارات في أنحاء إيران، وتصاعد الدخان فوق طهران، بينما دوّت صفّارات الإنذار في تل أبيب والقدس.
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، أن إسرائيل بدأت حربًا ضد إيران، في عملية أطلق عليها الإسرائيليون اسم «زئير الحديد». وطُلب من الإسرائيليين الاستعداد لوصول صواريخ إيرانية.
أما الولايات المتحدة، فوصفت ما يجري بأنه عملية عسكرية «ضخمة ومستمرة» ضد إيران، وأطلقت عليها اسم «الغضب الملحمي» (Operation Epic Fury). وقال الرئيس دونالد ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي:
«سيتعلّم هذا النظام قريبًا أن لا أحد يجب أن يتحدى قوة وبأس وبطش القوات المسلحة الأميركية».
ماذا قصفت إسرائيل والولايات المتحدة؟
ظلّت المعلومات حول المواقع التي استهدفتها إسرائيل والولايات المتحدة داخل طهران محدودة، وسرعان ما جرى تقييد الوصول إلى الإنترنت بين إيران والعالم الخارجي.
وأشارت تقارير أولية إلى ضربات في محيط شارع باستور في طهران، قرب مقر الرئاسة الإيرانية. كما أفادت وكالات أنباء إيرانية بوقوع انفجارات في مدن أخرى.
وشملت تلك المدن أصفهان، حيث أُبلغ عن ضربات قرب موقع مجمّع نووي كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد استهدفتاه العام الماضي خلال حرب الأيام الاثني عشر؛ وكرمنشاه في شمال غربي إيران، حيث توجد قاعدة للحرس الثوري الإيراني؛ وشيراز، حيث تزعم إسرائيل أن إيران تمتلك منشأة كبيرة تحت الأرض لإنتاج الصواريخ.
وقال ترامب إن أهداف واشنطن تتمثل في منع إيران من بناء سلاح نووي، وتدمير قدرتها على إنتاج صواريخ بعيدة المدى يمكن أن تصل إلى الولايات المتحدة.
لكنه دعا أيضًا الشعب الإيراني إلى «الاستيلاء على حكومتكم» بعد انتهاء الضربات.
في وقت سابق من يوم السبت، نفّذت القيادة الشمالية الإسرائيلية عدة ضربات في جنوب لبنان، استهدفت ما وصفته ببنية تحتية تابعة لحزب الله.
وكانت إسرائيل قد وجّهت تحذيرات لحزب الله، الجماعة الشيعية اللبنانية المسلحة المدعومة من إيران، بعدم الإسراع للدفاع عن إيران تحسبًا لهذا السيناريو تحديدًا.
ما الأصول العسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة؟
لدى الولايات المتحدة نحو 40 ألف جندي في المنطقة، موزعين على قواعد وسفن، وقد بنت أكبر قوة بحرية لها في المنطقة منذ بدء غزوها للعراق عام 2003.
وكانت أحدث وأكبر حاملة طائرات أميركية، يو إس إس جيرالد آر. فورد، في البحر المتوسط هذا الأسبوع، مع تقارير عن مشاهدتها قبالة الساحل الشمالي لإسرائيل يوم الجمعة، فيما كانت مجموعة حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن الضاربة قبالة سواحل عُمان منذ فبراير.
وتتألف كل من مجموعتي القتال من حاملة طائرات واحدة وثلاث مدمرات مزوّدة بصواريخ موجّهة، مع ترسانة من الأسلحة للهجوم والدفاع عن القوات الأميركية، وكذلك عن الدول الشريكة.
وعلى متن أبراهام لينكولن وجيرالد آر. فورد عشرات الطائرات والمروحيات، بما في ذلك مقاتلات F-18، وطائرات إنذار مبكر محمولة جوًا من طراز E-2، وطائرات شحن. كما تحمل جيرالد آر. فورد مقاتلات F-35. وإضافة إلى ذلك، أرسلت الولايات المتحدة طائرات إلى قواعد في المنطقة.
كما نشرت الولايات المتحدة أنظمة إضافية للدفاع الجوي من طراز ثاد (THAAD) وباتريوت. وقد استُخدمت هذه الأنظمة خلال حرب عام 2025 وهجمات سابقة، ما أدى إلى استنزاف مخزون صواريخ الاعتراض.
وتدير الولايات المتحدة ثماني قواعد دائمة في الشرق الأوسط، في البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة. كما تتمتع بإمكانية الوصول إلى نحو 12 موقعًا عسكريًا آخر، تشمل مصر والعراق والأردن وعُمان والسعودية وسوريا.
وأكبر هذه القواعد هي قاعدة العديد الجوية في قطر، مقر القيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، ويضم الموقع نحو 10 آلاف جندي. وفي يونيو، أطلقت إيران صواريخ على قاعدة العديد ردًا على القصف الأميركي لثلاثة مواقع نووية رئيسية داخل إيران.
كيف ترد إيران؟
قالت قوات الحرس الثوري الإيراني النخبوية يوم السبت إنها ضربت قواعد أميركية في البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة «بقوة»، إضافة إلى «مراكز عسكرية وأمنية» في إسرائيل.
وأضافت:
«ستتواصل الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي تنفذها القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية».
وأظهرت لقطات موثّقة نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي انفجارًا هائلًا في قاعدة الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية في الجفير بالبحرين، التي تُعد مقر العمليات البحرية الأميركية في الشرق الأوسط.
وقالت قطر إنها «اعترضت وحيّدت» موجتين من الهجمات الصاروخية الإيرانية استهدفتا عدة مناطق في البلاد، فيما أعلنت الأردن اعتراض صاروخين باليستيين.
وأعلنت إسرائيل حالة الطوارئ، وأغلقت مجالها الجوي، وأوقفت معظم أماكن العمل والأنشطة التجارية، وفرضت قيودًا على التجمعات تحسبًا لهجمات انتقامية.
تمتلك إيران صواريخ متوسطة وبعيدة المدى قادرة على ضرب إسرائيل، إضافة إلى عدد أكبر بكثير من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز قصيرة المدى القادرة على استهداف القواعد الأميركية والأصول البحرية.
عندما ضربت الولايات المتحدة إيران في يونيو من العام الماضي، جاء رد طهران سريعًا لكنه كان منسقًا مع واشنطن لتفادي التصعيد. وأسقطت الدفاعات الجوية الصواريخ الإيرانية التي استهدفت قاعدة العديد، التي كانت قد أُخليت مسبقًا.
وخلال حرب الأيام الاثني عشر العام الماضي، أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وصواريخ كروز بطيئة، وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، وكررت الأمر في رد سابق على اغتيالات إسرائيلية لمسؤولين إيرانيين.
وفي المرتين، جرى إسقاط معظم الصواريخ، لكن عشرات منها اخترقت منظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات في إسرائيل، وأصابت أو سقطت قرب أهداف عسكرية حساسة، بينها مواقع قريبة من مقر جهاز الموساد.
واليوم، ومع وصول مخزونات صواريخ الاعتراض لدى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى أدنى مستوياتها غير المسبوقة، تشكّل الصواريخ الإيرانية تهديدًا أكبر. كما تعلّمت إيران كيفية ضبط إيقاع وتوقيت الرشقات الصاروخية لتعظيم فعاليتها.
لكن إطلاق هذه الصواريخ يكشف أيضًا مواقع منصاتها، التي غالبًا ما تكون ثقيلة ولا يمكن نقلها بسرعة. وقد هاجم الجيش الإسرائيلي في السابق مواقع الإطلاق فور إطلاق الصواريخ، في تكتيك يسميه «قتل الرامي».
هل سيتوسع النزاع؟
قامت طهران بإعادة تزويد ترسانتها الصاروخية منذ يونيو الماضي، بعد أن أنفقت أكثر من 500 صاروخ خلال حربها القصيرة مع إسرائيل. ويقدّر الخبراء أن المخزون الصاروخي المشترك يبلغ آلاف الصواريخ، ما يتيح خوض حرب رشقات ممتدة.
كما يُعد تلغيم مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحنات الطاقة العالمية من الخليج، خيارًا آخر للرد. لكن أحد الخبراء حذّر من أن ذلك سيؤدي إلى رد فعل عنيف من الصين، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج.
وتخشى دول الخليج أيضًا من أن تستهدف إيران البنية التحتية للطاقة في المنطقة. ففي عام 2019، وُجّهت أصابع الاتهام إلى إيران في هجوم بالسعودية أدى مؤقتًا إلى تعطّل نصف إنتاج المملكة من النفط الخام.
وقد تلجأ إيران إلى مضايقة أو احتجاز ناقلات نفط فردية قريبة، كما فعلت عام 2019، أو توجيه ميليشيات حليفة لاستهداف منشآت الطاقة الإقليمية، بحسب محللين. ويمكن لهذه الوكلاء الإقليميين، مثل الحوثيين أو الميليشيات الشيعية العراقية، أن يشنوا أيضًا هجمات على سفارات أو قواعد ضعيفة الحماية.
وفي نوفمبر الماضي، وُجّهت أصابع الاتهام إلى جماعات مدعومة من إيران في هجوم صاروخي على حقل خور مور الغازي في إقليم كردستان العراق، ما عطّل شبكة الكهرباء المحلية.
ومع ذلك، قال جون ألترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، متحدثًا قبل الهجوم، إنه يتوقع أن يكون الرد الإيراني محسوبًا. وأضاف:
«إيران لم تكن يومًا مهتمة بخوض حرب تقليدية طويلة الأمد».
ما تداعيات ذلك على النفط؟
لن تُفتح أسواق النفط مجددًا حتى صباح الاثنين في آسيا، لكن خام برنت ارتفع بنسبة وصلت إلى 3% يوم الجمعة، ليلامس أعلى مستوى له في سبعة أشهر عند 73 دولارًا للبرميل.
وقد ارتفع المؤشر العالمي للنفط بنحو 12% خلال الشهر الماضي، مع استعداد الأسواق لاحتمال حدوث اضطرابات في الإمدادات نتيجة صراع أميركي–إيراني. ومع ذلك، لا يزال السعر دون مستوى 80 دولارًا الذي لامسه لفترة وجيزة خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو.
تصدّر إيران نحو 2% من إمدادات النفط العالمية، يذهب معظمها إلى الصين. لكن الأهم هو نفوذها على مضيق هرمز، الذي مرّ عبره نحو 30% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا العام الماضي.
ولم يُغلق المضيق قط، رغم التهديدات المتكررة من طهران. ولم تتعطل تدفقات الطاقة خلال حرب الصيف الماضي مع إسرائيل. ومع ذلك، فإن القفزة في أسعار النفط خلال ذلك الصراع أبرزت مدى حساسية الأسواق تجاه المخاطر المتصوَّرة في المنطقة.
المصدر: فايننشال تايمز

