شؤون آسيوية – ديما دعبول –
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يطرح عدد من المحللين في صحف ومراكز أبحاث دولية سؤالاً افتراضياً حول شكل المنطقة في حال تراجع نفوذ إيران أو اختفائه من المعادلة الإقليمية.
هذا السيناريو، الذي تتناوله تقارير غربية وإسرائيلية وصينية وعربية، لا يُنظر إليه بوصفه مجرد تغيير في توازن القوى المحلي، بل باعتباره نقطة انعطاف قد تعيد رسم شبكة التحالفات، وتعيد توزيع أدوار الفاعلين الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل والصين.
وبين رهانات الاستقرار ومخاوف الفراغ، تتباين القراءات حول ما إذا كان غياب طهران سيقود إلى مرحلة تهدئة طويلة، أم إلى سباق نفوذ جديد بأدوات مختلفة.
واشنطن بين تقليص الانخراط وبناء منظومة ردع إقليمي
تذهب تحليلات في نيويورك تايمز وواشنطن بوست إلى أن أي اختفاء أو تراجع حاد لنفوذ إيران سيمنح الولايات المتحدة فرصة لإعادة صياغة هندسة الأمن الإقليمي.
فبدلاً من الوجود العسكري الكثيف والمباشر، قد تميل واشنطن إلى نموذج يعتمد على تحالفات دفاعية متشابكة، وتوسيع التعاون الاستخباري، وربما الدفع نحو ترتيبات ردع جماعي تضم دولاً عربية إلى جانب إسرائيل.
وتشير تقديرات إلى أن الإدارة الأميركية قد ترى في هذا السيناريو فرصة لتخفيف أعباء الشرق الأوسط، مقابل تعزيز تركيزها الاستراتيجي على آسيا ومنافسة القوى الكبرى.
غير أن هذه التقديرات تحذر أيضاً من أن أي فراغ مفاجئ قد يخلق بيئات هشّة، ما يتطلب ترتيبات انتقالية دقيقة لتفادي فوضى أمنية.
إسرائيل بين ترسيخ التفوق ومخاوف الفراغ
في إسرائيل، تنقل الصحف تحليلات ترى أن غياب إيران سيعني تراجع التهديد الاستراتيجي الأكبر الذي شكّل محور العقيدة الأمنية الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين.
ويُتوقع، وفق هذه القراءات، أن تعمل تل أبيب على استثمار هذا التحول لتعميق اتفاقيات التطبيع وتوسيع التعاون الأمني والاقتصادي مع دول عربية.
لكن بعض المحللين الإسرائيليين يشيرون إلى احتمال بروز تحديات مختلفة، إذ إن غياب “الخصم المركزي” قد يكشف توترات داخلية في ساحات مجاورة، أو يعيد إحياء ملفات مؤجلة، بما فيها الملف الفلسطيني، في ظل تغير موازين الردع والتحالفات.
أوروبا بين دعم الاستقرار ومراقبة التنافس
يرى المحللون أن أوروبا ستتعامل مع أي تحوّل جذري في موازين القوى من زاوية الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة.
فالقارة التي عانت من اضطرابات في أسواق الطاقة خلال السنوات الأخيرة ستراقب عن كثب أي إعادة رسم لخريطة التحالفات، خاصة إذا أدت إلى تعزيز الدور الأميركي أو إلى إعادة توزيع النفوذ في الخليج.
وتشير هذه التحليلات إلى أن الأوروبيين قد يدعمون ترتيبات أمنية جماعية تقلل احتمالات النزاع، مع الحرص على إبقاء قنوات التعاون الاقتصادي مفتوحة مع مختلف الأطراف.
الصين: اقتصاد أولاً واستقرار شرط أساسي
في المقابل، تبرز قراءة مختلفة في وسائل إعلام صينية، حيث يُنظر إلى استقرار الشرق الأوسط بوصفه عاملاً حاسماً لتوسيع المصالح الاقتصادية الصينية.
فبكين، وفق التحليلات لا تركز على بناء تحالفات عسكرية بقدر ما تسعى إلى تعميق الشراكات في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق.
وتلفت تقارير غربية إلى أن تراجع إيران قد يقلل من تعقيدات بعض الملفات أمام الصين، لكنه في الوقت نفسه قد يعزز الحضور الأمني الأميركي، ما يفرض على بكين إدارة دقيقة للتوازن بين التعاون الاقتصادي مع الدول العربية وتجنب الانخراط في استقطابات عسكرية.
الدول العربية وسياسة تنويع الشركاء
في الإعلام العربي، تنقل مقالات وتحليلات في الشرق الأوسط اتجاهاً يرى أن الدول العربية لن تستبدل شريكاً دولياً بآخر، بل ستواصل سياسة تنويع التحالفات.
فحتى مع احتمال تعزز المظلة الأمنية الأميركية في حال غياب إيران، ستبقى الصين شريكاً تجارياً واستثمارياً رئيسياً، خاصة في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا.
وتخلص هذه القراءات إلى أن اختفاء إيران، إن حدث، لن يعني نهاية التنافس الدولي في المنطقة، بل انتقاله إلى مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة الأدوار بين الولايات المتحدة كفاعل أمني رئيسي، والصين كشريك اقتصادي صاعد، فيما تحاول الدول الإقليمية تثبيت مصالحها في مشهد أكثر تعقيداً من مجرد غياب طرف واحد.

