شؤون آسيوية – بكين –
في الوقت الذي ظلت فيه الدبلوماسية على الطاولة، اختارت واشنطن إشعال النار فيها.
بينما كانت الولايات المتحدة وإيران تنخرطان في مفاوضات نووية، شنت واشنطن، إلى جانب إسرائيل، ضربات عسكرية مشتركة استهدفت الشخصيات العسكرية والسياسية والبنية التحتية في إيران، ما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وعشرات من كبار المسؤولين.
وبعد يوم واحد، أعلنت الإدارة الأمريكية أن القيادة السياسية الإيرانية الجديدة وافقت على إجراء محادثات. وقالت “كان ينبغي عليهم أن يفعلوا ذلك في وقت سابق، كان ينبغي عليهم أن يقدموا ما هو عملي للغاية وسهل التنفيذ في وقت أقرب. لقد انتظروا طويلا”.
المنطق صارخ بقدر ما هو مثير للقلق: قبول الشروط الأمريكية أو مواجهة الإبادة.
إذا كانت إيران منخرطة بالفعل في محادثات مع واشنطن، فما الذي يبرر التسرع في استخدام القنابل بدلا من الصبر؟ وتحمل هذه الحادثة السمة المميزة الواضحة لاستراتيجية “الضغط الأقصى” التي تتبناها واشنطن منذ فترة طويلة — وهو التكتيك الذي يجعل الإكراه محل بناء التوافق ويجعل استخدام القوة ليس هو الملاذ الأخير بل أداة أساسية للنفوذ.
وفي ظل هذا النهج، فإن المفاوضات ليست جهودا حقيقية لجسر الخلافات؛ بل هي إنذارات نهائية للحرب ملفوفة بلغة دبلوماسية.
إن قرار شن ضربات في أثناء المحادثات سابقة مثيرة للقلق: فالدبلوماسية ليست منتدى للدول المتساوية في السيادة، بل هي أداة تخضع لأهواء القوة المهيمنة.
إن مثل هذه العقلية تضرب قلب النظام الدولي. لقد بُني نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية على فرضية أساسية مفادها أن النزاعات لابد أن يتم حلها من خلال الحوار، وليس القوة. فعندما تعمل قوة كبرى على تطبيع استخدام القوة في أثناء المفاوضات الجارية، فإنها تؤدي إلى تآكل الثقة ــ ليس فقط بين الأطراف المعنية، بل وأيضا داخل النظام العالمي ككل. وإذا تم فرض الامتثال من خلال الضربات الجوية بدلا من التوافق، فإن المفاوضات لا تصبح طريقاً إلى السلام، بل فخا للضعفاء.
إن الآثار المترتبة على هذه السابقة عميقة. وإذا نظرنا إلى القوة على أنها امتداد مشروع للنفوذ، فإن الدبلوماسية ذاتها تصبح رهينة للسلطة. إن نظام ما بعد الحرب الذي تدعي واشنطن الدفاع عنه لن يصمد إذا تم تطبيق مبادئه فقط عندما يكون ذلك مناسبا.
بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن الجرح الأعمق لا يتمثل فقط في الدماء التي أريقت أو الحرائق المشتعلة، بل في تآكل الأعراف. وبمجرد فرض الامتثال بدلا من التفاوض عليه، تتوقف الدبلوماسية عن الوجود، ولا يتبقى في مكانها سوى الهيمنة.
وإذا استمرت واشنطن في خلط السلام بالامتثال والدبلوماسية بالقسر، فإنها ستواجه كارثة: فهي تزيد من تأجيج الشرق الأوسط بينما تعمل في الوقت نفسه على تفكيك البنية العالمية التي دافعت عنها ذات يوم.
المصدر: شينخوا

