شؤون آسيوية – بكين –
بالنسبة لثاني أكبر اقتصاد في العالم، تتبلور ملامح جديدة للتنمية حتى عام 2030، مع اعتماد الهيئة التشريعية العليا في الصين الخطوط العريضة للخطة الخمسية الـ15 (2026-2030) للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية.
وتعد الفترة التي تغطيها الخطة الخمسية الـ15 مرحلة محورية على نطاق واسع، إذ تستهل الصين فيها العقد الأخير من مسيرتها نحو تحقيق التحديث الاشتراكي بشكل أساسي بحلول عام 2035. وبعد بلوغ هذا الهدف، تسعى البلاد إلى أن تصبح دولة اشتراكية حديثة عظيمة في جميع الجوانب بحلول منتصف هذا القرن.
ومع تقدمها نحو التحديث، تضع الصين تركيزا كبيرا على ضمان أن يحقق النمو الاقتصادي مكاسب أوسع وأكثر توازنا عبر المجتمع، وهو مبدأ يتجسد في دعوة الخطة الخمسية الـ15 إلى إحراز تقدم ملموس نحو تحقيق الرخاء المشترك للجميع.
ويعد السعي إلى الرخاء المشترك، الذي يشمل معالجة التنمية غير المتكافئة وغير الكافية وتوسيع حجم شريحة ذوي الدخل المتوسط وتحسين الوصول إلى الخدمات العامة الأساسية لنحو 1.4 مليار نسمة، يعد سمة مميزة للتحديث الصيني النمط تميّزه عن نماذج التنمية الغربية.
كما يمثل مفهوم الرخاء المشترك استجابة الصين الاشتراكية للضغوط التي أدت إلى اتساع فجوات الدخل والضغوط على أنظمة الضمان الاجتماعي في العديد من الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة.
ويعكس هذا النهج الفلسفة الراسخة المتمحورة حول الشعب التي يتبناها الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، والتي تضع رفاه الإنسان بدلا من تعظيم عوائد رأس المال، في صميم مسيرة التحديث، حسبما أفاد يين جيون، نائب مدير مركز أبحاث التحديث في جامعة بكين.
ولتعزيز هذه الفلسفة، أطلق الحزب الشيوعي الصيني في فبراير الماضي حملة تعليمية لمدة خمسة أشهر لتعزيز وجهة نظر صحيحة تجاه أداء الحوكمة، داعيا أعضاء الحزب والمسؤولين إلى التركيز على خدمة المصلحة العامة وتحسين معيشة المواطنين، مع رفض النزعة قصيرة الأجل والسعي وراء المظاهر.
وفي ظل هذه الفلسفة في الحوكمة، يمكن للمشروعات التي لا تحقق عوائد مالية فورية أن تمضي قدما إذا كانت تسهم في تحسين حياة المواطنين. وفي وسط الصين، تم بناء جسر معلق يربط بين قريتين نائيتين عبر واد عميق، بهدف تسهيل وصول السكان إلى العالم الخارجي. واليوم، باتت مناظره الخلابة تجذب الكثير من السياح، مما أدر دخلا جديدا لسكان القريتين.
وتوضح مثل هذه الأمثلة كيف يسعى نهج الصين في تحقيق الرخاء المشترك إلى ضمان وصول نتائج التنمية إلى الجميع.
وتدعو الخطة الخمسية الـ15 إلى استكمال بناء شبكة أكثر ترابطا من السكك الحديدية فائقة السرعة، تضم ثمانية خطوط رأسية وثمانية خطوط أفقية رئيسية، إلى جانب شبكة الطرق السريعة الوطنية خلال الأعوام الخمسة المقبلة. ومن شأن ذلك أن يعزز الترابط بين المناطق المتقدمة والأقل نموا، ويسهل تدفق الموارد ويساعد على توزيع ثمار النمو بصورة أكثر توازنا.
وخلافا لبعض التصورات الغربية لهذا النهج على أنه يمثل مساواة مطلقة أو إعادة توزيع تضعف حوافز السوق، إلا أنه في الواقع يهدف إلى توسيع “الكعكة” الاقتصادية مع تحسين توزيعها.
ومنذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح في أواخر سبعينيات القرن الماضي، دفعت الصين بهذا النهج قدما عبر السماح لإقدام من كان لهم السبق في تحقيق الثراء على مساعدة غيرهم ليعم الرخاء المشترك.
ومع مرور الوقت، مكّن هذا النهج الصين من الحفاظ على مكانتها كثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتكوين أكبر شريحة من ذوي الدخل المتوسط على مستوى العالم، وتحقيق تحسن مطرد في مستوى معيشة الشعب.
وتحدد الخطة الخمسية الـ15 مسارا أكثر وضوحا لمواصلة هذا الزخم خلال دورة التخطيط الجديدة، مع بقاء تقليص الفوارق الإقليمية والفوارق بين المناطق الحضرية والريفية ضمن أولويات الأجندة التنموية.
وقال يين إن تحقيق الرخاء المشترك في بلد شاسع ومتنوع مثل الصين يمثل تحديات هائلة.
وتمثل المناطق الريفية، التي يسكنها نحو 450 مليون شخص، الجبهة الأكثر إلحاحا، لذلك خصصت الخطة قسما لتسريع وتيرة التحديث الزراعي والريفي ودفع النهضة الريفية الشاملة.
وخلال فترة الخطة الخمسية الـ14 (2021-2025)، وبعد الإنجاز البارز المتمثل في القضاء على الفقر المدقع في عام 2021، تم إحراز تقدم ملموس في ترسيخ هذه المكاسب ودفع النهضة الريفية، مع نمو مستويات الدخل في المناطق الريفية بشكل أسرع من المناطق الحضرية.
وشهدت قوه تشينغ لي، مشرعة وطنية من مقاطعة لياونينغ ومزارعة خضروات، هذه التغيرات عن قرب، قائلة إن “الدفيئات الزراعية الذكية القابلة للتحكم في درجات حرارتها وسلاسل التبريد الأسرع توصل خضرواتنا الآن طازجة إلى جميع أنحاء البلاد، مما ضاعف تقريبا دخل المزارعين خلال السنوات الخمس الماضية”.
واستنادا إلى هذا التقدم، تقترح الخطة توسيع الدعم القائم على الصناعة والتوظيف لتعزيز نمو أقوى قادر على الاعتماد على الذات، مع تحسين البنية التحتية الريفية وزيادة دخل المزارعين.
كما أكدت الصين على توجيه المزيد من الاستثمارات نحو رأس المال البشري إلى جانب الإنفاق التقليدي على البنية التحتية المادية.
وأشار تشانغ رونغ، مشرع وطني من مقاطعة فوجيان وأمين لجنة الحزب في جامعة شيامن، إلى أن الصين تهدف إلى تحويل العائد الديموغرافي إلى عائد من الأكفاء وإطلاق القوة الدافعة الداخلية وراء الرخاء المشترك، وذلك من خلال إعطاء الأولوية للاستثمار في الإنسان وضمان توظيف الاستثمارات المادية لخدمة التنمية البشرية.
ويعد التوظيف محوريا في استراتيجية الرخاء المشترك، حيث يشكل مرساة للنمو وتوزيع الدخل والحراك الاجتماعي. وفي عام 2025، خلقت الصين 12.67 مليون فرصة عمل جديدة في المناطق الحضرية، وبلغ معدل البطالة على أساس المسح في المناطق الحضرية 5.2 في المائة في المتوسط، مما يعكس استقرارا عاما في سوق العمل.
وتضع الخطة “التوظيف عالي الجودة والكافي” في طليعة تحسين سبل العيش، مع التركيز ليس فقط على خلق فرص العمل ولكن أيضا على أنظمة التدريب المهني التي تدعم تطوير المهارات عبر جميع الفئات العمرية.
وستصاحب هذه السياسات جهود لتشكيل توزيع دخل “بيضاوي الشكل” بشكل أكبر. وستستمر آليات السوق في مكافأة العمل والمهارات والابتكار، مع تعزيز إعادة التوزيع من خلال الضرائب والضمان الاجتماعي والمدفوعات التحويلية.
كما تحتل الخدمات العامة مكانة بارزة في الخطة. وقال تشانغ إن التعليم والرعاية الصحية ورعاية المسنين تعامل كسلع عامة أساسية. وعلى عكس الأنظمة التي تُسوق فيها هذه الخدمات بشكل كبير، تسعى الصين للحفاظ على دور عام أقوى، بهدف مشاركة مكاسب التنمية على نطاق أوسع.
ومن عام 2021 إلى 2025، تم تخصيص أكثر من 70 بالمائة من الميزانية العامة في الصين لتحسين سبل العيش. وتسلط خطة السنوات القادمة الضوء على 20 مؤشرا رئيسيا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، تركز سبعة منها على التوظيف والدخل والتعليم والرعاية الصحية وخدمات كبار السن ورعاية الأطفال ومتوسط العمر المتوقع، مما يعكس تحولا من تلبية الاحتياجات الأساسية نحو رعاية اجتماعية ذات جودة أعلى. كما تحدد الخطة مشروعات رئيسية تهدف إلى تلبية الاحتياجات العامة الملحة في هذه المجالات.
وجاء في الخطة أن الخدمات العامة ستصل إلى مستويات أعمق من المجتمع، وتمتد بشكل أكبر إلى المناطق الريفية، وتولي الأولوية للمناطق النائية والفئات الضعيفة. كما ستوفر شبكات الضمان الاجتماعي حماية أقوى للفئات الضعيفة، بما في ذلك الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة.
لقد أثمرت عقود من الجهود الرامية لتعزيز الرخاء المشترك عن مكاسب في التنمية الشاملة. تدير الصين الآن أكبر نظام تعليمي وشبكة رعاية صحية وإطار للضمان الاجتماعي في العالم، إلى جانب نظام دعم سكني حضري واسع النطاق. ومع ذلك، تتطلب التحولات الديموغرافية والتحولات الصناعية وارتفاع توقعات الجمهور تكييفا مستمرا للسياسات.
وقال لي كاي، أستاذ الاقتصاد في جامعة شيامن: “بمجرد أن تحقق الصين الرخاء المشترك، من المتوقع أن يؤدي ارتفاع الدخول ووجود شريحة أكبر من ذوي الدخل المتوسط إلى خلق سوق استهلاكية ضخمة، مما يوفر زخما مستداما للاقتصاد العالمي”.
المصدر: شينخوا

