شؤون آسيوية – ديما دعبول:
عاد مضيق هرمز إلى واجهة التوترات الدولية مع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة في الخليج، فالممر البحري الضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية أصبح ساحة ضغط استراتيجية في ظل الحرب والتصعيد العسكري في المنطقة.
وبين التهديد الإيراني بإغلاق المضيق والتعهد الأمريكي بحماية حركة الملاحة، يتشكل أحد أخطر سيناريوهات الصراع البحري في العالم، حيث قد يؤدي أي تصعيد إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
مضيق هرمز: نقطة الاختناق الأخطر في تجارة الطاقة
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي ويعد الطريق الرئيسي لصادرات النفط والغاز من دول الخليج.
وتشير تقديرات دولية إلى أن نحو خمس تجارة النفط العالمية تمر عبر هذا الممر البحري الضيق، ما يجعله نقطة اختناق حيوية للاقتصاد العالمي، وتزداد حساسية المضيق بسبب ضيق ممراته الملاحية وقربها المباشر من السواحل الإيرانية، وهو ما يمنح طهران قدرة كبيرة على التأثير في حركة السفن.
لذلك ظل المضيق لعقود ورقة ردع رئيسية في الاستراتيجية الإيرانية، إذ لوّحت طهران مراراً بإمكانية تعطيل الملاحة فيه إذا تعرضت لضغوط عسكرية أو اقتصادية شديدة.
تصعيد عسكري متسارع في محيط المضيق
مع تصاعد المواجهة في المنطقة، تحولت المياه المحيطة بالمضيق إلى منطقة توتر عسكري مباشر، فقد شهدت المنطقة خلال الأيام الأخيرة هجمات على سفن تجارية وناقلات نفط، ما دفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمرور عبر هذا الممر الحيوي.
وتشير تقارير دولية إلى أن بعض السفن تعرضت لهجمات بمقذوفات أو طائرات مسيرة في محيط المضيق، الأمر الذي رفع منسوب القلق في أسواق الطاقة وأدى إلى اضطرابات في حركة الملاحة.
وفي الوقت نفسه كثفت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الخليج، مع تعزيز الدوريات البحرية والاستعداد لتأمين السفن التجارية في حال تصاعد التهديدات.
المضيق كورقة ضغط استراتيجية
في خضم هذا التصعيد، صدرت تصريحات جديدة من القيادة الإيرانية تؤكد أهمية المضيق في المعادلة الاستراتيجية للصراع.
فقد تعهد المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي في أول تصريحات علنية له بإبقاء مضيق هرمز مغلقاً في مواجهة الضغوط العسكرية، مؤكداً أن إيران لن تتخلى عن استخدام أوراقها الاستراتيجية للدفاع عن مصالحها.
وتعكس هذه التصريحات رؤية إيرانية تعتبر أن تعطيل الملاحة في المضيق يمكن أن يشكل ضغطاً اقتصادياً هائلاً على خصوم طهران، نظراً لاعتماد الاقتصاد العالمي على تدفقات النفط القادمة من الخليج.
كيف يمكن لإيران تعطيل الملاحة في المضيق
لا يعتمد السيناريو الإيراني لإغلاق مضيق هرمز بالضرورة على السيطرة الكاملة على الممر البحري، بل على جعل المرور فيه محفوفاً بالمخاطر إلى درجة تدفع شركات الشحن والتأمين إلى التوقف عن استخدامه.
فإيران تمتلك مجموعة من الأدوات العسكرية التي يمكن استخدامها لتحقيق هذا الهدف، من بينها الألغام البحرية والصواريخ الساحلية المضادة للسفن والزوارق السريعة والطائرات المسيرة.
ويؤكد خبراء عسكريون أن هذه الأساليب غير المتكافئة قد لا تغلق المضيق بشكل كامل لفترة طويلة، لكنها قادرة على تعطيل الملاحة مؤقتاً أو رفع كلفة المرور فيه بشكل كبير، وهو ما قد يكون كافياً لإحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية.
الموقف الأمريكي: حماية الملاحة والرد العسكري
في المقابل شددت الولايات المتحدة على أنها لن تسمح بإغلاق المضيق أو تهديد الملاحة الدولية فيه.
فقد أكد مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية أن واشنطن لا تمتلك حتى الآن دليلاً قاطعاً على قيام إيران بزرع ألغام بحرية في المضيق، لكنها تراقب الوضع عن كثب وتستعد لأي تطور ميداني.
كما حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن أي محاولة لتعطيل الملاحة أو استهداف السفن التجارية ستقابل برد عسكري قوي، مشيراً إلى أن البحرية الأمريكية قد تبدأ بمرافقة ناقلات النفط والسفن التجارية عبر المضيق لضمان استمرار تدفق الطاقة العالمية.
ويعكس هذا الموقف إصرار واشنطن على الحفاظ على حرية الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
إشارات متناقضة: السماح بمرور بعض السفن
ورغم التصريحات المتشددة، ظهرت مؤشرات على أن إيران لا تسعى في الوقت الحالي إلى إغلاق كامل للمضيق.
فقد أشارت تقارير إلى أن طهران سمحت بمرور بعض السفن عبر الممر البحري، من بينها ناقلة غاز متجهة إلى الهند، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة للحفاظ على مستوى من التحكم في حركة الملاحة دون الوصول إلى مواجهة بحرية شاملة.
ويعكس هذا السلوك مزيجاً من التصعيد والمرونة في السياسة الإيرانية، إذ تحاول طهران استخدام المضيق كورقة ضغط استراتيجية دون تحمل التبعات الاقتصادية والسياسية لإغلاقه الكامل.
مواجهة بحرية محتملة وتأثير عالمي واسع
يبقى مضيق هرمز في النهاية أحد أخطر نقاط التوتر في العالم، لأن أي تعطيل كبير لحركة الملاحة فيه سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية فورية، أبرزها ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وبين قدرة إيران على تعطيل الملاحة عبر تكتيكات غير تقليدية والتفوق البحري الأمريكي القادر على إعادة فتح الممر بالقوة، يتحول المضيق إلى ساحة اختبار حقيقية لموازين القوى في الخليج.
وفي ظل التصريحات المتبادلة والتصعيد العسكري المتواصل، يبقى هذا الممر الضيق مرشحاً لأن يكون مركز مواجهة قد تتجاوز آثارها حدود المنطقة لتصل إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

