شؤون آسيوية – درعا / السويداء، سوريا –
يعيش سكان قرى وبلدات في الجنوب السوري هذه الأيام أوقاتا صعبة على وقع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، إذ باتت سماء المنطقة ساحة تصدي للصواريخ الإيرانية من قبل المضادات الإسرائيلية، الأمر الذي يعكر صفو الحياة هناك.
وفي محافظتي درعا والسويداء جنوبي سوريا، تسيطر حالة من القلق والخوف على الأهالي خشية سقوط الصواريخ الإيرانية على الأبنية السكنية والمنشآت الحكومية، فضلا عن سماع صوت الطائرات الإسرائيلية وهي تحلق على علو منخفض في سماء المنطقة خلال أوقات مختلفة، حيث يمكن رصدها بالعين المجردة أحيانا.
وسقطت خلال الأيام الماضية شظايا طائرات مسيّرة وصواريخ على قرى غربي محافظة درعا، في إطار المواجهة الإقليمية المتصاعدة بين إسرائيل وإيران.
وبالنسبة للعديد من السوريين في المنطقة، تُذكّرهم الانفجارات في السماء بألم السنوات التي سيطرت فيها الحرب على حياتهم اليومية.
وأكد المسؤولون في الحكومة السورية بقيادة رئيس البلاد أحمد الشرع مرارا أن سوريا تسعى إلى البقاء على الحياد في المواجهة الإقليمية.
ومنذ توليها السلطة في أواخر عام 2024، دعت الحكومة إلى إعادة بناء البلاد التي مزقتها الحرب وتجنب التورط في صراعات خارجية، وأكد مسؤولون في مناسبات عديدة أن سوريا لن تسمح باستخدام أراضيها كمنطلق لشن هجمات من أي جهة.
لكن في قرى تقع على طول الريف الغربي لمحافظة درعا، يقول السكان إن الصراع الإقليمي الحالي يُلقي بظلاله على حياتهم اليومية.
وفي بلدة العجمي، سقطت أجزاء من طائرة مسيّرة على أراض زراعية قرب المنازل في الخامس من مارس الجاري، مما أثار ذعر السكان ودفع الأطفال إلى الاحتماء داخل منازلهم.
وقال أحمد موسى الدواري، أحد سكان القرية، لوكالة أنباء ((شينخوا)) “قبل خمسة أيام، سقطت طائرة مسيّرة على المحاصيل الزراعية هنا، بالقرب من المنازل، لقد أرعب ذلك الأطفال والعائلات وحتى طلاب المدرسة، والآن يسود الخوف في القرية بسبب تحليق الطائرات فوقنا، لا علاقة لنا بما يحدث”.
ووردت تقارير عن حوادث مماثلة في قرى مجاورة، مثل قرية جلين حيث سقطت طائرة إيرانية مسيّرة أخرى في العاشر من مارس بعد اعتراضها في الجو، مما أدى إلى تناثر شظاياها في أنحاء متفرقة من القرية، بحسب ما أفاد به السكان.
وقال أدهم خالد، أحد سكان القرية إن القرويين يشاهدون الطائرات المسيّرة والطائرات الأخرى في السماء بشكل شبه يومي خلال الأسابيع الأخيرة.
وأضاف “في تمام الساعة الواحدة بعد الظهر، سقطت شظايا طائرات مسيّرة على المنازل. يعيش أحد السكان هنا في خيمة مع أطفاله، واشتعلت فيها النيران، لكن القرويين تمكنوا من إخمادها”.
وبعد أكثر من عقد من الصراع داخل سوريا، كان الكثيرون هنا يأملون أن يكون الأسوأ قد انتهى.
وقال خالد “لا نريد شيئا سوى السلام والأمان، لقد طفح الكيل بأربعة عشر عاما من الحرب والقصف ، ظننا أن المشاكل قد انتهت، وها هو هذا يحدث الآن”.
ويقول السكان إن الخوف لا يقتصر على الانفجارات فحسب، بل يشمل أيضًا ما قد يسقط من السماء، من شظايا صواريخ أو طائرات مسيّرة قد تسقط في الحقول أو الشوارع أو بالقرب من المنازل.
وقال محمد موسى علي، وهو أحد سكان قرية جلين، إن القلق المستمر قد غيّر الحياة اليومية في القرية.
وأضاف “نعيش في رعب نفسي بسبب الصواريخ والطائرات المسيّرة. لا نستطيع السماح لأطفالنا باللعب في الخارج. قبل بضع ليال، كنا نائمين وفجأة وقع انفجار. استيقظت القرية بأكملها وبدأ الناس بالركض”.
وأعرب عن قلقه من أن يعثر ابنه الصغير على حطام غير منفجر خلفته الطائرات المسيّرة.
وقال علي ” أحيانًا يريد اللعب في الشارع، وأخشى أن يعثر على شيء من شظايا الطائرات المسيّرة”.
ووصف أحمد قعبور، وهو أيضاً من القرية، الأسابيع الأخيرة بأنها أشبه بكابوس.
وقال “بسبب الحرب بين إيران وإسرائيل، نشعر وكأننا نعيش في فيلم رعب، لقد عشنا 14 عاماً من القصف من قبل، لكننا لم نرَ قط صواريخ تنفجر فوق قريتنا بهذا الشكل”.
وفي حادثة وقعت مؤخرا، قال قعبور إن شظايا طائرة مسيرة تم اعتراضها أشعلت خيمة كانت تقيم فيها عائلة.
وأضاف “لولا وصول أهالي القرية للمساعدة، لكانت الخيمة التي بداخلها النساء والأطفال قد احترقت”.
وفي محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، يعيش الأهالي نفس مشاعر القلق والخوف، ففي بلدة ملح بالريف الجنوب الشرقي لمحافظة السويداء، سقطت قبل يومين بقايا صاروخ إيراني في الأراضي الزراعية دون وقوع اية أضرار.
وقال طلعت الملحم من سكان البلدة إن “صوتا قويا دوى في أرجاء البلدة ليل الخميس الماضي، محدثا رعبا في نفوس الأطفال”، مؤكدا أن المحافظة لم تشهد سابقا مثل تلك الانفجارات من قبل.
وتابع يقول “لقد أصدرت مديرية التربية في المحافظة قرارا بتعليق الدوام لعدة أيام، بسبب سقوط الصواريخ والطائرات المسيرة في عموم المنطقة، وحفاظا على سلامة الطلاب”.
ولا تزال محافظة درعا تحمل ندوبًا عميقة من الصراع السوري.
فقد كانت مهد الاحتجاجات التي اندلعت عام 2011 التي تحولت إلى حرب مدمرة في البلاد. وخلفت سنوات من القتال والحصار والحملات العسكرية أحياء مدمرة وأجبرت آلاف السكان على النزوح من ديارهم.
ورغم انحسار القتال واسع النطاق في السنوات الأخيرة، لا تزال العديد من المجتمعات تعاني من هشاشة الوضع، وتكافح من أجل بنية تحتية متضررة، وفقر مدقع، وذخائر غير منفجرة متناثرة في الحقول والقرى.
والآن، مع تصاعد التوترات في أنحاء الشرق الأوسط، يخشى العديد من السكان أن تُلقي الحرب بظلالها مجددًا على تعافيهم الهش.
وبالنسبة لسكان قرى مثل جلين والعجمي، وملح فإن رسالتهم واضحة بعد سنوات من الصراع، مؤكدين أنهم لا يستطيعون تحمل صراع آخر.
وقال خالد “لا نريد شيئا، نريد السلام فقط”.
أما زينة الصفدي، وهي من مدينة شهبا شمالي محافظة السويداء، فقالت “لا نريد أن نشارك في أية حرب، ونتطلع إلى السلام فقط”.
المصدر: شينخوا

