شؤون آسيوية – القاهرة –
قال عالم الآثار المصري ومدير متحف الأقصر علاء المنشاوي، في مقابلة حديثة مع صحيفة الشعب اليومية أونلاين، إن الحوار الحضاري بين مصر والصين، لا يقتصر على تقديم نموذج تنموي يوازن بين “الأصالة والتجديد”، وإنما يبرهن كذلك على أن التنوع الثقافي ليس مصدرا للصراع، بل قوة دافعة للسلام للاستقرار داخل المجتمع البشري.
خلال السنوات الأخيرة، أجرى المنشاوي عدة زيارات إلى الصين، حيث جاب ما لا يقل عن 15 مقاطعة صينية، وشاهد عن كثب التطور السريع الذي تشهده الصين. وأشار المنشاوي إلى أن التنمية الصينية تمثل مزيجا فريدا بين التقاليد والحداثة. ورأى أنه في خضم عملية التحديث السريع التي تشهدها الصين، لا يزال الصينيون يتمسكون بعمق بتاريخهم وجذورهم الحضارية. مضيفا: “في رأيي، إن الحفاظ على هذا الرابط الوجداني مع التراث الثقافي هو بالتحديد مصدر القوة الذي يدفع عجلة التحديث في الصين.”
وكان المنشاوي قد شارك في منتدى “حماية التراث الثقافي وتوارثه”، الذي عُقد ضمن فعاليات “المنتدى العالمي لتنمية الشباب 2025” في يوليو من العام الماضي بمدينة سوتشو. وألقى كلمة تحت عنوان “حوار النيل والنهر الأصفر”، استعرض فيها أوجه تبادل وتفاعل الحصارتين العريقتين في مجال علم الآثار.
واعتبر المنشاوي أن مصر والصين قد حافظتا على هويتها الثقافية المتفردة طوال مسيرة التحديث الخاصة بكل منهما. مؤكدا على أن الحوار الحضاري يمثل البديل الحقيقي لنظرية “صدام الحضارات”. وأعرب عن أمله في أن تتكاتف جهود الشباب في كلا البلدين للعمل المشترك من أجل حماية التراث الثقافي وتوارثه عبر الأجيال وتوظيفه بالشكل الصحيح.
وصرّح المنشاوي بأن التعاون الأثري بين مصر والصين يدخل حاليا عصره الذهبي. حيث يعمل الجانبان باستمرار على تعميق أوجه التعاون في مجالات التنقيب المشترك، فضلا عن التنسيق الفني والأكاديمي. وقال: “لا يمثل هذا مجرد تعاون تقني فحسب، بل يعدّ جهدا مشتركا تبذله مصر والصين لتجاوز الأطر الأكاديمية الغربية التقليدية، وذلك من خلال استكشاف معايير جديدة لحماية التراث والعمل معا على صقل المواهب الشابة، وهو ما يحمل دلالات عميقة فيما يتعلق بالتبادل الحضاري بين بلدينا.”
وأكد المنشاوي على أن تعزيز التعاون الأثري سيحوّل التراث الثقافي من مجرد “أحجار صامتة” إلى وسائط لنقل “رسائل حضارية”، بما يلفت الانتباه العالمي إلى المسؤولية المشتركة الملقاة على عاتق الجميع للحفاظ على القطع الأثرية الثقافية. مضيفا: “يمكننا تعميق التعاون بيننا من خلال مجموعة متنوعة من المبادرات العملية، مثل توسيع نطاق البعثات الأثرية المشتركة، وتعزيز تبادل الخبرات في مجال الترميم الأخضر، وإنشاء أرشيفات رقمية مشتركة للآثار الثقافية، وتنظيم معارض متخصصة”.
وفي أغسطس 2025، أُسدل الستار رسميا على معرض الحضارة المصرية القديمة في متحف شنغهاي. وقد استقطب هذا الحدث الثقافي الضخم، الذي استمر على امتداد 13 شهرا متتالية 2.77 مليون زائر من داخل الصين وخارجها. وفي حديثه عن هذا المعرض، أشار المنشاوي إلى أن الإقبال الجماهيري الذي شهده ينبع من تعطش الجمهور للمعرفة، والشعور بالألفة والتناغم المشترك الحضارة المصرية. وقال: “عندما رأيت الطوابير الطويلة الممتدة خارج متحف شنغهاي، وشاهدت الزوار الصينيين يتوقفون للتأمل في القطع الأثرية المصرية القديمة، شعرت بفخر عميق بصفتي عالم آثار مصري.”
وقد ساهم متحف الأقصر في هذا المعرض بالعديد من القطع الأثرية النفيسة من مقتنياته. حيث اختار المنشاوي تمثالا للملك “مرنبتاح”، وتمثالا للإلهة “نيت”، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من أدوات الكتابة والرسم القديمة. وأوضح قائلا: “كنا بحاجة إلى محتوى يلقى صدى لدى الجمهور الصيني ويكون سهل الاستيعاب، ويُبرز الحضارة المصرية القديمة. ليس مجرد مجموعة من الآثار الصامتة، بل أن يكون قصة إنسانية تُشكل جسرا يربط بين حضارتين عريقتين”.
ولاحظ المنشاوي أن الاهتمام الصيني بعلم المصريات، والحماس المصري لتعلم اللغة الصينية، قد بلغا في الوقت الراهن مستويات غير مسبوقة. مشيرا إلى أن هذا “التفاهم المتبادل” بين الجانبين يعمل على بناء جسور من الثقة. واختتم حديثه قائلا: “لم يعد التراث الثقافي مجرد أثر قديم يعلوه الغبار، بل أصبح حلقة وصل حيوية تعزز السياحة والاستثمار والتبادل الأكاديمي، وقوة دافعة مشتركة تقود مسيرة التنمية الحديثة في كلا البلدين.”
وبمناسبة العام الثقافي الصيني الافريقي الذي يوافق هذا العام، أشار المنشاوي إلى أن هذا الحدث يمثل فرصة سانحة لتعميق الروابط الثقافية والشعبية بين الصين والقارة الأفريقية، فضلا عن إضفاء زخم جديد على مسيرة تنمية “الجنوب العالمي”.
المصدر: صحيفة الشعب اليومية

