شؤون آسيوية – بكين –
أُعيد فتح معبر رفح مؤخرًا، في خطوة تمثل المرة الأولى التي يُستأنف فيها شريان الحياة لقطاع غزة وحركة العبور في الاتجاهين منذ الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. وفي ذلك اليوم، تدفقت إلى المنطقة، التي مزقتها الحرب، نحو 1950 طنًا من المساعدات الإنسانية، شملت الغذاء والدواء والخيام ومستلزمات الحياة اليومية.
بعيد كل البعد عن الكفاية
يُعد معبر رفح القناة الرئيسية لتدفق المساعدات الإنسانية الدولية إلى غزة. ومنذ أن أحكمت القوات الإسرائيلية سيطرتها على الجانب الفلسطيني من المعبر في مايو 2024، أُغلق هذا الشريان الحيوي فعليًا. وفي الثاني من فبراير من العام الجاري، أُعيد فتح المعبر لفترة وجيزة، غير أنه في اليوم ذاته الذي شنت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية ضد إيران، عاد الجانب الإسرائيلي ليغلقه مجددًا متذرعًا بمخاوف “أمنية”. وهكذا، وبينما يُفتح المعبر ليُغلق مرة تلو الأخرى، تتلاشى آمال أهالي غزة ببطء، ذرةً تلو الأخرى، لتتحول إلى رماد وسط دائرة مفرغة لا تعرف التوقف.
ما مدى قسوة الواقع؟ البيانات لا تكذب
منذ دخول المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، كانت الحاجة إلى المساعدات الإنسانية هائلة، إذ كان من المفترض أن تصل نحو 88,000 شحنة شاحنة، غير أن ما دخل فعليًا لم يتجاوز 36,000 شاحنة فقط، أي ما يعادل 41% من الحجم المطلوب. وتتفاقم الأزمة فيما يتعلق بالوقود، إذ لم تصل سوى 14% من ناقلات الوقود المطلوبة، بينما تراجعت إمدادات الغاز البترولي المسال إلى الصفر تقريبًا.
إن هذه الأرقام ليست مجرد بيانات صماء، بل تمثل هوةً عميقة تفصل بين ضرورات البقاء الأساسية والواقع الميداني القاسي. ويقبع أكثر من مليوني نسمة داخل هذه الهوة، حيث يتفشى الفقر، وتتناقص المؤن، وترتفع الأسعار جنونيًا. وقد انقطع التيار الكهربائي، وأصبحت إمدادات المياه في وضع حرج للغاية، فيما يترنح نظام الرعاية الصحية على شفا الانهيار، وتوقفت خدمات معالجة مياه الصرف الصحي وإزالة النفايات تمامًا. وهكذا، يتحول وطن الأمس شيئًا فشيئًا إلى مدينة محاصرة لا يلوح في الأفق أي مخرج منها.
وليس هذا كل شيء، فوفقًا للبيانات الصادرة عن السلطات الصحية في غزة بتاريخ 16 مارس، لقي 671 شخصًا حتفهم جراء الهجمات الإسرائيلية منذ سريان “وقف إطلاق النار”، ولا يزال هذا الرقم في ازدياد يومي. وما يُسمى بـ “وقف إطلاق النار” لم يجلب السلام الحقيقي إلى القطاع. وفي 23 من الشهر نفسه، قدّمت فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تقريرًا إلى مجلس حقوق الإنسان، أدانت فيه إسرائيل لممارستها التعذيب ضد الفلسطينيين بشكل ممنهج ومستمر.
غزة.. في قلب الكابوس المستمر
يتلاشى حضور غزة من ذاكرة العالم، ليس بسبب تحسن الأوضاع، بل لأن أنظار العالم تحولت إلى بؤر توتر أخرى—إيران، لبنان، وأمن الملاحة في البحر الأحمر. ومع تخلف معاناة غزة خلف الركب، تواجه القضية الفلسطينية خطر التهميش مجددًا. والأسوأ أن الصراعات الإقليمية تفاقم الأزمة، فتعطلت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وارتفعت أسعار الوقود، وقفزت تكاليف النقل إلى مستويات قياسية. وفي غضون ذلك، أغلقت إسرائيل معظم المعابر، متذرعة بمخاوف “أمنية”، مما أدى إلى تأخر وصول المساعدات، وتعطّل النقل الطبي، وبتر شرايين الحياة الحيوية واحدًا تلو الآخر.
ومن الواضح أن مصير غزة يُحكمه نفوذ قوى خارجية، فكيفية تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار فتح المعابر، وحجم المساعدات، كلها مسائل حاسمة تحدد بقاء السكان، ويُحسم أمرها وفق ديناميكيات المناورات الجيوسياسية. ومع ذلك، فإن أبناء غزة هم من يتحملون كلفة هذه الصراعات: في فقرٍ متواصل، وجوعٍ ومرضٍ وظلام، ينتظرون مصيرًا كتب لهم سلفًا
العدالة لم تغب أبدًا
أشار المبعوث الخاص للحكومة الصينية لقضية الشرق الأوسط، خلال اجتماع مع وزير الخارجية المصري، إلى أن القضية الفلسطينية تقع في صميم قضية الشرق الأوسط، وأن تجاهلها يعني تهديد السلام والاستقرار طويل الأمد. وقد أعلنت الصين تقديم 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية لفلسطين، لدعم التعافي وإعادة الإعمار في غزة، فيما أعلن الاتحاد الأوروبي عن مساعدات تزيد قيمتها على 450 مليون يورو، خُصص منها 124 مليونًا لدعم الشعب الفلسطيني في القطاع والضفة الغربية.
إن إحقاق العدالة للشعب الفلسطيني يشكل حجر الزاوية للأخلاق الدولية، والأهم من ذلك، ضمان مستقبل مشترك لسلام دائم للبشرية جمعاء. ويجب ألا يُسمح لغزة بأن تتحول إلى زاوية منسية في العالم.
المصدر: صحيفة الشعب الصينية

