شؤون آسيوية – تشهد محافظة جنين شمال الضفة الغربية تحولات ميدانية متسارعة، في ظل ما يقول مسؤولون فلسطينيون إنه توجه إسرائيلي لإعادة “هندسة التموضع” في المنطقة، عبر توسيع الاستيطان وإعادة رسم الجغرافيا في منطقة بقيت لأكثر من عقدين خالية من المستوطنات. ويأتي ذلك عقب إلغاء قانون فك الارتباط الإسرائيلي، الذي سمح بعودة المستوطنين إلى أربع مستوطنات أخليت عام 2005 في محيط محافظة جنين، وهي “حومش” و”صانور” و”جانيم” و”كاديم”، في خطوة يعتبرها الفلسطينيون تحولًا مفصليًا في واقع شمال الضفة الغربية. وبحسب مصادر محلية، بدأت العودة إلى هذه المستوطنات بشكل تدريجي انطلاقًا من مستوطنة حومش، بالتزامن مع العمل على تهيئة الظروف الأمنية والعسكرية لإعادة الاستيطان في بقية المواقع، ضمن خطة أوسع لإعادة الوجود الاستيطاني في المنطقة. وترافقت هذه التطورات مع حملة عسكرية إسرائيلية واسعة في مخيم جنين استمرت لأكثر من عامين، أسفرت، وفق روايات محلية، عن إخلاء السكان من منازلهم وإغلاق المخيم عبر سواتر ترابية وبوابات حديدية، ما حال دون عودة الفلسطينيين أو وصولهم إليه بحرية. وفي موازاة ذلك، باشرت القوات الإسرائيلية إعادة تهيئة المناطق المحيطة بالمستوطنات السابقة، بما في ذلك إعادة تفعيل مستوطنة “صانور”، المعروفة إسرائيليًا باسم “ترسلة”، جنوب جنين، في حين تشهد المناطق الشرقية من المحافظة تحركات لإعادة الاستيطان في مستوطنتي “جانيم” و”كاديم”، المطلتين على مدينة جنين وقرى عابا ودير أبو ضعيف. كما تشير معطيات ميدانية وتقارير إعلامية إسرائيلية إلى وجود قرارات بإقامة 12 مستوطنة جديدة في محيط جنين، في إطار توسيع البنية الاستيطانية في شمال الضفة الغربية وربطها بمحاور استراتيجية. وفي السياق ذاته، قال عضو بلدية دير أبو ضعيف حاتم رواجبة إن عودة المستوطنين تمثل “استعمارًا جديدًا وخطرًا حقيقيًا” على البلدة والبلدات المجاورة، مشيرًا إلى أن الاعتداءات بدأت حتى قبل عودة المستوطنين بشكل دائم. وأضاف رواجبة، في تصريح لوكالة أنباء ((شينخوا))، أن “المشهد بات يشبه مناطق جنوب نابلس أو رام الله، من حيث الاعتداءات المتكررة على السكان وتقييد حركتهم ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم”. وأوضح أن القوات الإسرائيلية اعتقلت خمسة شبان من البلدة عقب مواجهات مع مستوطنين في منطقة أم الهوا، بعد قيامهم بمهاجمة أراض زراعية، مشيرًا إلى أن الجيش رافق المستوطنين واعتقل الفلسطينيين الذين حاولوا منعهم وإيقافهم. وتابع أن مئات الدونمات من الأراضي باتت مهددة بالمصادرة أو منع أصحابها من الوصول إليها، خاصة مع اقتراب موسم قطف الزيتون، لافتًا إلى تسليم أكثر من 12 إخطارًا بهدم غرف زراعية أو وقف البناء في منازل قائمة منذ سنوات، بذريعة عدم الترخيص أو تصنيف الأراضي كـ”أراضي دولة”. وفي سياق متصل، ذكرت القناة السابعة الإسرائيلية أن اتفاقًا أُبرم مؤخرًا بين الحكومة ومجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية ينص على بناء نحو 12 ألف وحدة سكنية في مستوطنات المنطقة، إضافة إلى تخصيص نحو 8 مليارات شيكل لتطوير البنية التحتية والمؤسسات والخدمات. ونقلت القناة عن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قوله إن هذا الاتفاق يندرج ضمن ما وصفه بـ”ثورة الاستيطان” في الضفة الغربية. من جهته، قال مدير التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية أمير داود إن إسرائيل تعمل على إعادة تشكيل تموضعها في شمال الضفة الغربية عبر الاستيطان، من خلال إعادة المستوطنات التي أخليت سابقًا وإقامة مستوطنات جديدة. وأضاف داود، في تصريح لوكالة أنباء ((شينخوا))، أن هذه السياسات تترافق مع “إعادة هندسة جغرافية” للمنطقة، عبر سلسلة من الإجراءات تشمل أوامر مصادرة أراض، وإعلانات مناطق عسكرية، ومنع البناء الفلسطيني، مقابل تسهيلات واسعة للتوسع الاستيطاني. وحذر من خطورة هذه الإجراءات، مشيرًا إلى أمر عسكري يمنع البناء في محيط مستوطنة صانور، ويستهدف نحو 4730 دونمًا من أراضي بلدات سيلة الظهر والفندقومية وبرقة ودير شرف. كما أشار إلى أوامر “وضع يد” على أراض لأغراض عسكرية شملت نحو 270 دونمًا في محافظة جنين ونحو 2000 دونم في طوباس، صدرت جميعها بعد السابع من أكتوبر 2023. وأوضح داود أن الحكومة الإسرائيلية الحالية سرعت، منذ تشكيلها، إجراءات العودة إلى المستوطنات وتوسيع الاستيطان، لا سيما في شمال الضفة الغربية، الذي ظل خاليًا نسبيًا من المستوطنات ومتصلاً جغرافيًا طوال نحو عقدين. وأشار إلى أن تنفيذ هذه المخططات يعتمد على أدوات متعددة، تشمل أوامر عسكرية لمصادرة الأراضي، وإعادة المستوطنات المخلاة، وإقامة مستوطنات جديدة، ووضع مخططات هيكلية تمييزية تمنح المستوطنين امتيازات واسعة، مقابل تقييد البناء الفلسطيني وفرض عمليات هدم واسعة. وفي هذا الإطار، هدمت القوات الإسرائيلية منزلًا مكونًا من ثلاثة طوابق ومخازن على طريق جنين-نابلس، بدعوى البناء دون ترخيص، كما هدمت منشآت تجارية في محيط دوار عرابة جنوب غرب المدينة للسبب ذاته، وفي إطار تصنيف المنطقة “ج”. وقال رئيس بلدية عرابة أحمد العارضة إن الجيش سلم أكثر من 13 منشأة إخطارات بالهدم، موضحًا أن هذه الإجراءات تستهدف إفراغ المنطقة القريبة من معسكر عسكري أُعيد تفعيله مؤخرًا، ويُعرف باسم “معسكر عرابة”. وأضاف العارضة، في اتصال مع وكالة أنباء ((شينخوا))، أن المنطقة تضم أكثر من 70 منشأة تجارية وزراعية، وقد طُلب من أصحاب بعضها إخلاؤها، إما بإزالة محتوياتها أو مواجهة هدمها بما فيها، مشيرًا إلى أن بعض الإخطارات سُلّمت خطيًا، فيما سُلّمت أخرى شفهيًا. وحذر العارضة من أن هذه الإجراءات تهدد مصادر رزق مئات العائلات، وتؤدي إلى تدمير مشاريع اقتصادية محلية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على التجمعات الفلسطينية في شمال الضفة الغربية. المصدر: شينخوا Post Views: 3 تصفّح المقالات لماذا تجمع الروبوتات الصينية بين الجودة والأسعار المناسبة؟ حملة أميركية بـ1.2 مليار دولار و470 مشروعاً لخنق الصين