العلاقات الصينية الأميركيةالعلاقات الصينية الأميركية

/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/  

قامت الولايات المتحدة مؤخرا بفرض رسوم جمركية جديدة على ستين اقتصاداً، من بينها الصين، وذلك بحجة ما تزعم أنه محاربة للعمل القسري. غير أن هذا الإجراء لا يستند إلى أي سند قانوني دولي، ولا يصدر عن مؤسسة دولية مختصة، بل يقوم على مزاجية السلطة التنفيذية الأمريكية وانفرادها بالتقدير في هذا الأمر. وهو في جوهره ليس سوى توظيف للهيمنة التجارية الأمريكية وورقة الرسوم الجمركية، لإضفاء شرعية دولية زائفة على أجندات داخلية، وتحويل القانون الأمريكي إلى أداة تُفرض على العالم بالقوة، في تحد صريح لمبادئ القانون الدولي وقواعده.

إن معارضة العمل القسري تمثل إجماعا عالميا، وقد حددت اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن العمل القسري معايير واضحة ومتفق عليها لتحديد ماهيته، وتقوم على ركيزتين أساسيتين: وجود تهديد بالعقاب، وانعدام الرضا الطوعي من جانب العامل. وفي هذا الإطار، من الحق الطبيعي لكل دولة، بل ومن صميم سيادتها، أن تختار الأساليب المناسبة لتنفيذ التزاماتها وفقا لواقعها الوطني ومنظومتها القانونية، دون أن يُفرض عليها نموذج بعينه.

غير أن واشنطن تسيء استخدام المادة رقم 301 من قانون التجارة لعام 1974، فتدرج قضايا العمل الدولية قسرا في إطار قانونها التجاري الداخلي. ولا تركز التحقيقات التي تجريها في هذا السياق على وقائع العمل الملموسة، بل تتوقف على مدى انطباقها على معايير حظر الواردات التي تضعها أمريكا من جانب واحد. وحتى إن كانت الدول المعنية قد أصدرت تشريعات شاملة وعززت إنفاذها لحظر العمل القسري، فإنها تظل عرضة للتصنيف غير المعقول والعقوبات الجمركية لمجرد أن أنظمتها لا تتطابق مع المتطلبات الأمريكية. وهكذا تتعمد واشنطن قلب المفاهيم، إذ تُحول الالتزام بالمعايير الدولية إلى إذعان للمعايير الأمريكية، وتُحول قضايا العمل إلى أداة لحماية مصالحها التجارية الخاصة فقط.

إن دورة العقوبات الأمريكية بأكملها، بدءًا من رسم المعايير وانتهاءً بالتنفيذ، تجري بتفرد أمريكي تام، بلا رقيب ولا شريك، ولا مراجعة خارجية ولا مساءلة دولية. إنها ليست أكثر من “محاكمة يديرها الخصم نفسه”، لأن واشنطن هي من تقوم بدور المدعي والقاضي والجلاد في آن واحد، في مشهد مكتمل الأركان للسياسة الدولية القائمة على منطق القوة لا منطق القانون.

إن ما تقوم به واشنطن يمثل اعتداء صارخا على النظام التجاري متعدد الأطراف الذي تُشكل منظمة التجارة العالمية حجر زاويته. فالقواعد الدولية ترفض بوضوح التمييز العشوائي وتقييد التجارة بوسائل ملتوية، وتُلزم جميع الأعضاء بحل خلافاتهم عبر القنوات متعددة الأطراف، لا عبر أحكام فردية وعقوبات انفرادية. لكن أمريكا تتحدى كل ذلك، وتستبدل النظام الجماعي بحكمها الإداري الداخلي، فتُخرج النزاع الدولي من إطاره المشروع إلى حيز المناورة الانفرادية المحضة.

إن نهج الهيمنة الأمريكية، الذي لا يستند إلى أي أساس قانوني أو وقائعي، قد لاقى رفضا جماعيا من خصوم وحلفاء على حد سواء. فالاتحاد الأوروبي، واليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، ونيوزيلندا، والبرازيل، وغيرهم، كلهم اتفقوا على أن المزاعم الأمريكية غير مدعومة بأي دليل مادي، وأن الإجراءات عقابية وتعسفية، وأن المعايير التي تفرضها واشنطن من جانب واحد غير مقبولة ولا يمكن التعامل معها كأساس لأي التزام دولي.

إن القانون الدولي الحقيقي قائم على أسس راسخة والمتمثلة في المساواة بين الجميع والإرادة الجماعية للدول، وليس على أوامر تصدر من عاصمة بعينها. لكن واشنطن تمارس ازدواجية المعايير، وتختار من القواعد ما يخدم مصالحها، وتُخضع الشرعية الدولية لأهوائها الداخلية، وتُفكك النظام متعدد الأطراف بعقوباتها الانفرادية، ساعية إلى إقامة هيمنة جديدة تحت لافتة القانون. لقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن يفضح هذا النفاق، ويتمسك بالعدالة الدولية، ويصون نظاما عالميا يقوم على الإنصاف، لا على منطق القوة.

المصدر: صحيفة الشعب أونلاين

Logo
لوغو صحيفة الشعب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *