بقلم: رافيف دروكر– محلل سياسي إسرائيلي – من السهل التقليل من شأن خطة الخمس عشرة نقطة التي نشرها “مجلس السلام”؛ فبعد عام من المفاوضات الشاقة، لم تُسفر الجهود حتى الآن سوى عن تصريحات برّاقة في معظمها: غزة جديدة، خالية من حكم “حماس”، على أن تكون الأسلحة كلها في يد حكومة تكنوقراط. ويبقى السؤال الجوهري من دون إجابة: ما الذي سيحدث أولاً: الانسحاب الإسرائيلي، أم نزع سلاح “حماس”؟ ووفقاً للخطة، من المفترض الآن تحديد جدول زمني لتنفيذ هذه الرؤية خلال 14 يوماً. لكن للأسف، هذا لن يحدث. ويتضمن المستند أيضاً جانباً عملياً محدوداً؛ إذ يطالب “مجلس السلام” الحكومة الإسرائيلية بالعودة إلى تنفيذ اتفاق شرم الشيخ، وذلك عبر وقف عمليات الاغتيال والقصف، والسماح بإدخال كميات المساعدات الإنسانية التي تعهدت إسرائيل بإدخالها. لقد شاهدنا سابقاً مختلف أشكال الردود الإسرائيلية على المبادرات السياسية الدولية: “نعم”، “لا”، و”نعم ولكن”؛ أمّا هذه المرة، فلم نشهد أياً من ذلك، بل لمسنا تجاهلاً كاملاً، كأن الأمر يتعلق باتفاق بين شطرَي قبرص، اليوناني والتركي. وفي حين أن إسرائيل تشارك فعلاً في المفاوضات نفسها، فإن “مصادر سياسية” إسرائيلية تهاجم الخطة بشكل مبهم. والأهم من ذلك، أنه بعد عام على وقف إطلاق النار، عثر الجيش الإسرائيلي، قبل يومين، على خمسة مخازن أسلحة تابعة لـ”حماس” وقصفها. خمسة مخازن! يصعب على الجمهور الإسرائيلي، الذي يعيش حالة ما بعد الصدمة، تقبّل أي حلّ من هذا النوع؛ لذلك يكاد يكون من المستحيل الموافقة على ما يتضمنه هذا المستند من بنود ربما يراها البعض إيجابية، لكن من المهم أن يعلم الجمهور أن “حماس” وافقت على سحب كل الأسلحة الثقيلة التي في حيازتها ووضعها تحت سيطرة حكومة تكنوقراط، وسيُسمح لعناصرها بالاستمرار في العمل ضمن القطاع العام، مثل المعلمين والموظفين، لكن ليس بصورة تلقائية؛ أمّا الذين لن تتم الموافقة عليهم، فسيُحالون على التقاعد ويتقاضون معاشاً تقاعدياً؛ كذلك لن يُسمح لعناصر “حماس” بالانضمام إلى الشرطة الفلسطينية في غزة، وذلك بهدف منع احتمال وجود عناصر من “حماس” يعملون تحت غطاء جهاز الشرطة. من الممكن، طبعاً، التشكيك في كل هذه الوعود؛ فربما يقول البعض: ها هم الأميركيون السذّج مرة أُخرى، ماذا يفهمون؟ ستلتف “حماس” على كل شيء، وستواصل السيطرة على القطاع، عبر واجهات، أو شخصيات صورية. يمكن أن يكون هذا صحيحاً، لكن من الجدير أن نتذكّر عدداً من الأمور: أولاً، إن المجتمع الدولي يقف وراء هذه الخطة، ولأن إسرائيل الطرف الوحيد الذي يعرقلها، فهذا ما سيضعها في مواجهة مباشرة، حتى مع الولايات المتحدة؛ ثانياً، ما هي المخاطرة التي تتحملها إسرائيل إذا تبنّت الخطة؟ ففي جميع الأحوال، سيكون الانسحاب تدريجياً ومشروطاً بتنفيذ “حماس” التزاماتها. لنفترض أن إسرائيل انسحبت جزئياً وأبقت في المرحلة الأولى على “50%” فقط من مساحة القطاع تحت سيطرتها، ومنحت فرصة لعملية نزع السلاح؛ فما هي المخاطرة في ذلك؟ باستثناء دفن أوهام قائد المنطقة الجنوبية بشأن إخضاع “حماس”، لا يوجد ما تخسره. وإذا نجحت الخطة، فستكون إسرائيل “خسرت” 10% من مساحة القطاع، وهي منطقة لا تحتاج إليها، ولا مصلحة لها فيها أصلاً؛ أمّا إذا فشلت، فيمكنها دائماً العودة إلى مواقعها الأصلية. تُعرَض على الجمهور الإسرائيلي، مراراً وتكراراً، تقارير تتحدث عن إعادة تأهيل “حماس”، وتعاظُم قوتها، وتجنيد مقاتلين، وتكديس الأسلحة. ومن المفيد التعامل مع هذه التقارير بشيء من التشكيك؛ فلا شك في أن جناحها العسكري يحاول إعادة تنظيم صفوفه وتعزيز قدراته، لكن الصورة الحقيقية هي أن “حماس” تعاني الضعف، وتفتقر إلى الشعبية، وتواجه صعوبات في دفع الرواتب، وهي مستعدة لتقديم تنازلات غير مسبوقة، والطريق إلى تفكيك ما تبقى منها لا يمرّ، على الأرجح، عبر مزيد من القصف والاغتيالات، بل عبر إيجاد بديل من الحكم يتمثل في حكومة تكنوقراط، وقوة متعددة الجنسيات في قطاع غزة، وتمويل دولي لإعادة الإعمار؛ فالذي لا يزال يحلم بإفراغ القطاع من سكانه وإرسالهم إلى صوماليلاند هو وحده مَن يمكن أن يعارض مثل هذه الخطة. ردّ قادة المعارضة بقدرٍ من الاعتدال نسبياً على الخطة الجديدة؛ أفيغدور ليبرمان هاجمها بغضب شديد، بينما وجّه غادي أيزنكوت انتقادات عامة، إلّا إن النبرة السائدة كانت هادئة، وربما يشير ذلك إلى النهج الذي يمكن أن تتبناه “حكومة التغيير”، في حال جرى تأليفها. أمّا إذا كان هناك احتمال لتتماشى حكومة نتنياهو مع هذه الخطة، فمن الواضح أن هذا الاحتمال يتضاءل بشكل كبير، مع بقاء أقل من ثلاثة أشهر على موعد الانتخابات. ومع ذلك، كان نشر الخطة خطوة إيجابية، إذ ربما تنجح في كبح نوايا نتنياهو بشأن بدء حرب جديدة في قطاع غزة قبل الانتخابات. المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية Post Views: 3 تصفّح المقالات هآرتس: المؤسسة الأمنية تتخوف من انجرار إسرائيل إلى جولة أُخرى مع إيران طبيب فلسطيني معتقل ينقل تفاصيل الإهمال الطبي والاعتداءات الإسرائيلية