بقلم عميره هاس – مراسلة إسرائيلية – يروي طبيب من رام الله، معتقل منذ أكثر من شهر، المعاناة في ظل الظروف القاسية في سجن “عوفر”؛ لقد فقد جزءاً كبيراً من وزنه بسرعة بسبب الطعام غير الصالح للاستهلاك الآدمي، بحسب قوله، ويضيف أنه لم يتلقَّ أدويته المعتادة خلال الأيام العشرة الأولى، ولا يزال حتى الآن لا يتلقى أحد هذه الأدوية. ويقول أيضاً إن طلباته بشأن الخضوع لفحص طبي لم تُستجب، وأن مسعفاً فحص نبضه مرةً واحدة فقط، بعد أن مدّ يده عبر فتحة صغيرة في باب الزنزانة. هذا بعض التفاصيل التي نقلها الدكتور مازن الرنتيسي لمحامية من اللجنة العامة لمناهضة التعذيب، زارته يوم الثلاثاء الماضي. وتتطابق شهادته مع بعض ما خلُص إليه تقرير الدفاع العام، الذي أشار إلى تدهور ظروف الاحتجاز، كذلك تتردد فيها أصداء تقارير معتقلين وأسرى فلسطينيين آخرين. الرنتيسي البالغ من العمر 71 عاماً معروف بلقب “طبيب الفقراء”، لأنه يتقاضى في عيادته الصغيرة 30 شيكلاً فقط في مقابل الزيارة، وكثيراً ما يعفي المرضى من هذا المبلغ أيضاً، اعتُقل في منزله ليلة 21 حزيران/ يونيو، ووُجّهت إليه لائحة اتهام لكونه رئيس مجلس إدارة جمعية “اتحاد لجان العمل الصحي”. وتقدم الجمعية، التي أسسها ناشطون فلسطينيون من اليسار في سنة 1985، الرعاية الطبية لآلاف الفلسطينيين سنوياً، ولا سيما في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية، وهي مسجلة بصورة قانونية لدى وزارة الداخلية التابعة للسلطة الفلسطينية. أعلنت إسرائيل الجمعية “تنظيماً غير مسموح به”، بموجب أنظمة الطوارئ التي تعود إلى فترة الانتداب البريطاني، وذلك في سنة 2020. وقالت إنها حوّلت وجمعيات أُخرى أموالاً إلى منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ رفضت الجمعيات هذه التهمة بشدة، وذكرت أن الأمر يتعلق بذريعة تهدف إلى الحد من نشاطاتها التي تقدم المساعدة للجمهور الفلسطيني. ومنذ 21 حزيران/يونيو، اعتُقل سبعة آخرون من سكان الضفة الغربية بسبب مناصبهم في “اتحاد لجان العمل الصحي”، وأُفرج عن أربعة منهم، بينهم ثلاث نساء، إحداهن وُجّهت إليها أيضاً لائحة اتهام وأُفرج عنها بكفالة. سجى مشرقي – برانسي هي أول محامية ترى الدكتور الرنتيسي وجهاً لوجه منذ اعتقاله، وإن كان ذلك عبر حاجز زجاجي. وكان محامون آخرون تحدثوا معه عبر الهاتف وشاهدوه عبر الاتصال المرئي على شاشة في المحكمة العسكرية، حيث مدّد القضاة اعتقاله مراراً. فور إدخال الرنتيسي إلى غرفة الزيارة، لاحظت مشرقي – برانسي، التي تعرفه منذ أعوام، مدى نحوله وضعفه. وقالت لـ”هآرتس” إن اثنين من حراس السجن الملثمين اقتاداه إلى الداخل؛ ظهره منحنٍ، يطأطئ رأسه نحو الأرض، ويداه مقيدتان خلف ظهره. وكانت الغمامة التي غطت عينيه أزيلت قبل ذلك. وقال الرنتيسي لمشرقي – برانسي إن هذه هي الوضعية التي تُفرَض على المعتقلين كلما خرجوا من الزنزانة إلى الساحة، أو من جناح إلى آخر، أو إلى الغرفة التي يشاهدون منها جلسة المحكمة العسكرية الخاصة بقضيتهم عبر الشاشة. وقال إن كل خروج من هذا النوع هو تعذيب، وعندما يطلب أن يرفع ظهره قليلاً، يقوم الحراس بخفض رأسه بالقوة. وفي إحدى المرات، قال إن الحارس الذي كان من المفترض أن يرشده جعل رأسه يصطدم بالباب. هناك بوابة حديدية ذات قضبان بين الغرفة التي جرت فيها المقابلة والغرفة التي يوجد فيها الحراس. وفي الجزء السفلي من البوابة فتحة صغيرة يمد المعتقلون أيديهم عبرها لكي يقوم الحراس بإزالة القيود الحديدية عنها. لاحظت مشرقي – برانسي أن الرنتيسي يجد صعوبة في الانحناء ومدّ يديه إلى الخلف، وقالت للحراس إنه يمكنهم مراعاة سنّه. وبحسب قولها، أجابوها بألّا تتدخل في الإجراءات. وقال لها الرنتيسي إنه خلال عمليات العدّ الأربع التي تجري يومياً في السجن، وأولها في الخامسة صباحاً، يتعين على المحتجزين النزول إلى وضعية القرفصاء ووجوههم إلى الحائط ورؤوسهم إلى الأسفل. كذلك قال إن الحراس يُكثرون من شتم المعتقلين وإذلالهم. يوجد في الزنزانة ستة أسرّة وعشرة أشخاص، أربعة منهم ينامون بالتناوب على فرشات موضوعة على الأرض. وجميعهم أصغر منه بكثير، وقال إنهم يتركون له دائماً سريراً لينام عليه. وبحسب قوله، تقوم قوة من مصلحة السجون، مرات عديدة في الأسبوع، باقتحام الزنازين وضرب المعتقلين، ويسمّون ذلك “قمعاً”. ووصلت إلى “هآرتس” شهادات مماثلة من سجون أُخرى. وقال الرنتيسي: “الشبان يحمونني، يحيطون بي ويتلقون الضربات، بدلاً مني.” وأضاف أنه خلال إحدى عمليات الاقتحام، رشّ الحراس الغاز المسيل للدموع داخل الزنزانة، وكانت تجربة الاختناق صعبة جداً بالنسبة إليه. منذ إدخال الرنتيسي إلى السجن، يرتدي الطقم نفسه من ملابس مصلحة السجون، ويغسله بصابون “رائحته فظيعة”، بحسب وصفه. ويستخدم جميع المعتقلين قطعة الصابون الواحدة للغسيل والاستحمام على حد سواء، وتنتهي قبل أن يحصلوا على قطعة أُخرى. وبما أنه يُمنع في أثناء عملية العدّ تعليق الملابس لتجفيفها داخل الزنزانة، يضطر المعتقلون أحياناً إلى ارتداء القميص والسروال من دون تنشيف. وقال الرنتيسي للمحامية إن مصلحة السجون لا توفر لهم مواد التنظيف، أو المكانس، أو مماسح الأرضيات، وأن الغرفة حارة جداً ومليئة بالبراغيث، أو الحشرات. وأضاف أن المشكلة تتفاقم لأن الحراس يُخرجون الفرشات إلى الساحة، ويرشون عليها الماء، ثم يعيدونها مبللة، فتؤدي الرطوبة إلى ظهور العفن. يُدخَل إلى الزنزانة الطعام ثلاث مرات يومياً، لكن الرنتيسي يقول إنه غير صالح للأكل والكميات ضئيلة جداً. وفي الأيام الأولى، لم يكن قادراً على لمسه. وذكر أن الحمص غير مطهو، والأرز تنبعث منه رائحة كريهة، والطماطم تكاد تكون فاسدة، والبيضة غير طازجة. وبمرور الوقت، بدأ يأكل من الخبز، على الرغم من أنه يكون متعفناً. ولا يُسمح للمحتجزين بالحصول على كتب للقراءة، أو أدوات للكتابة ودفاتر. وقالت مصلحة السجون الإسرائيلية في ردها “إن الادعاءات الواردة غير صحيحة، وتفتقر إلى أساس واقعي، وتشكل جزءاً من حملة لتشويه سمعة دولة إسرائيل ومؤسساتها القانونية في العالم. تعمل مصلحة السجون وفقاً لأحكام القانون، وتحت رقابة قضائية مستمرة. ويُحتجز جميع السجناء في مصلحة السجون، وفقاً لأحكام القانون، ويحصلون على الحقوق والرعاية المطلوبة، بموجب القانون.” لكن تقرير الدفاع العام، الذي نُشر في 1 تموز/يوليو، يشير إلى أنه في سنة 2025، “حدث تدهور كبير في أوضاع السجون في إسرائيل… ومسّ غير مسبوق بحقوق المعتقلين والأسرى.” ويتناول التقرير الاكتظاظ، وتردّي الظروف الصحية والنظافة، ومشكلة الآفات والحشرات، وعدم ملاءمة ظروف التهوئة، ونقص المعدات الأساسية للأسرى. ويشير التقرير إلى أن الاكتظاظ أكثر حدةً بين المعتقلين الأمنيين، ويذكر شكاويهم من الجوع الشديد وغياب الرعاية الطبية الملائمة والعنف الممنهج. ووفقاً للتقرير، تم تفصيل هذه المشكلات في شكاوى ومراسلات وُجهت إلى المستشارة القانونية للحكومة ومفوض مصلحة السجون. المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية Post Views: 2 تصفّح المقالات هآرتس: نعم، يتعين علينا الموافقة على خطة “مجلس السلام”، فما الذي سنخسره؟ يديعوت أحرونوت: على طريق الدولة الفلسطينية