بقلم إلداد شافيط – باحث إسرائيلي – أثار التحول الحاد في موقف الرئيس ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع حالة من الاستغراب في إسرائيل؛ فبعد أيام ساد فيها انطباع، مفاده بأن الولايات المتحدة تستعد لاستئناف الضربات ضد إيران، أعلن ترامب أنه سيعلّق العملية لمنح المحادثات فرصة إضافية، فسارعوا في إسرائيل إلى وصف ذلك بأنه حلقة جديدة من تقلبات رئيس يصعب التنبؤ بتصرفاته، الأمر الذي يجعل من الصعب على القدس فهم الوجهة التي يقصدها؛ غير أن هذا التفسير يغفل جوهر المسألة: فترامب لا يواجه صعوبة في معرفة ما يريد تحقيقه، بل تكمن المعضلة في اختيار الوسيلة التي سيحقق بها ذلك، لأن أي قرار يتخذه يمكن أن تترتب عليه تداعيات استراتيجية وإقليمية وسياسية بعيدة المدى. إن تفضيل ترامب واضح؛ فهو لا يريد استئناف الحرب، بل يسعى للتوصل سريعاً إلى تسوية يعتبرها انتصاراً أميركياً، لكن الفجوة بين هذا الطموح والواقع لا تزال كبيرة؛ فبعد أن نشرت الإدارة الأميركية انطباعاً يفيد بأنها تستعد لشن هجوم واسع، أعلنت لاحقاً إحراز تقدُّم في المسار الدبلوماسي، على الرغم من عدم ظهور موافقة إيرانية واضحة؛ طهران، من جهتها، نفت أن تكون تلقّت الشروط الأميركية، بينما امتنع ترامب من تحديد مهلة نهائية للتوصل إلى اتفاق. وبذلك خلق مشكلة تتعلق بالصدقية، ليس لأنه اختار المسار الدبلوماسي، بل لأن الفجوة بين التهديد بالتدخل والتراجع عنه بقيت من دون تفسير واضح. ومن منظور إسرائيل، لا يقتصر هذا الغموض على البعد السياسي، بل يترتب عليه ثمن عملي أيضاً؛ فمن الصعب رسم السياسات، أو الاستعداد لأي تحرّك، أو تقدير حدود حرية العمل الإسرائيلية، عندما تنتقل واشنطن خلال أيام قليلة من الاستعداد لشن هجوم إلى الإعلان أنه تم إحراز تقدّم في المفاوضات؛ ومع ذلك، وحتى إذا كان الإحباط الإسرائيلي مفهوماً، فإن ذلك لا يعني أن هذا التحول نابع من نزوة، أو من سوء تقدير من جانب الرئيس. المعضلة التي يواجهها ترامب حقيقية يتعين على الرئيس حسم خياره: فاستئناف القتال لا يضمن تحقيق الهدف المنشود، وإن شمل هجوماً أميركياً واسعاً يستهدف البنية التحتية العسكرية والنووية والاقتصادية الإيرانية؛ فالولايات المتحدة قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بإيران، لكن ليس لديها ما يضمن أن هذه الأضرار ستجبر طهران على فتح مضيق هرمز، أو التخلي عن أوراق الضغط التي تمتلكها، أو قبول الشروط الأميركية المتعلقة بالبرنامج النووي، بل ربما يحدث العكس تماماً؛ إذ يمكن أن يؤدي هجوم واسع النطاق إلى استئناف استهداف القواعد الأميركية، وناقلات النفط، ومنشآت الطاقة، ودول الخليج؛ كذلك ربما يوسّع رقعة المواجهة لتشمل البحر الأحمر وساحات أُخرى، ويزج الولايات المتحدة في صراع طويل الأمد من دون أفق واضح لنهايته. وتدرك دول الخليج حجم هذه المخاطر، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية؛ لذلك تمارس ضغوطاً على واشنطن لتفضيل المسار الدبلوماسي. ومن منظور ترامب، يمكن أن يؤدي شن حرب جديدة إلى مضاعفة الأضرار من دون أن يحسّن فرص التوصل إلى تسوية. حتى إن الخيار الوسط لا يضمن الوصول إلى حل؛ فشن ضربة محدودة ربما يُظهر قدراً من الحزم ويعيد ترميم قوة الردع ظاهرياً، لكن أي ردّ إيراني سيجبر ترامب على الاختيار من جديد بين الاحتواء وتوسيع نطاق المواجهة. وهكذا، فالخطوة التي يُراد منها معالجة مشكلة الصدقية ربما تتحول إلى أولى مراحل حرب يسعى الرئيس أصلاً إلى تجنبها. وفي الواقع، فإن اللجوء مجدداً إلى استخدام القوة لن يحل المعضلة بالضرورة، بل يمكن أن يعيد ترامب إلى مواجهتها في ظروف أكثر تعقيداً وأسوأ من السابق. وفي المقابل، فإن الامتناع من التحرك له ثمنه أيضاً؛ فكل تهديد لا يُنفَّذ يمنح إيران فرصة في اختبار حدود الرد الأميركي، وتعزيز موقعها في المفاوضات، وترسيخ واقع جديد في مضيق هرمز؛ لذلك فإن القلق الإسرائيلي مفهوم، لكن الخطأ لا يكمن في الاعتقاد أن هذا التذبذب يُضعف الصدقية الأميركية، بل في الافتراض أن سببه هو أن ترامب لا يعرف ما الذي يريده. وفي الواقع، يعكس سلوكه صراعاً بين خطرين: حرب لا تضمن تحقيق الأهداف، والامتناع من شنها بما يمكن أن يُفسَّر بأنه تراجُع، أو استسلام. وحتى على الساحة الداخلية، لا يملك ترامب مخرجاً مريحاً؛ إذ لا يؤيد الحرب سوى نحو ثلث الأميركيين، بينما يرى معظمهم أن الرئيس لم يشرح أهدافها بشكل كافٍ. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ربما يكلّفه استئناف القتال ثمناً سياسياً يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة، واحتمال سقوط خسائر بشرية، وازدياد المخاوف من انخراط جديد في صراع طويل في الشرق الأوسط. وفي المقابل، فإن كل تهديد لا يُنفَّذ يعزز انتشار لقب TACO، وهو اختصار لعبارة “Trump Always Chickens Out” (ترامب يتراجع دائماً)، بما يضرّ بصورته كرئيس حازم. لذلك، فالسؤال ليس متى سيدرك ترامب ما الذي يريده؛ فهو يعرف ذلك تماماً، إنما السؤال هو: متى سيقتنع بأن التكلفة السياسية والاستراتيجية للاستمرار في التردد أصبحت أكبر من المخاطر المترتبة على استئناف القتال؟ ربما لا يحدث ذلك مطلقاً، أو لن يحدث إلّا بعد فشل واضح للمفاوضات، أو قيام إيران بخطوة استثنائية، أو تصاعُد الانتقادات الداخلية، وربما لن يحدث قبل انتخابات التجديد النصفي. وحتى ذلك الحين، لا ينبغي لإسرائيل الاكتفاء بالتساؤل عن أسباب تذبذُب ترامب، بل عليها إدراك البدائل المطروحة أمامه، والثمن الباهظ الذي ينطوي عليه كلٌّ من هذه البدائل؛ فهو يعرف إلى أين يريد أن يصل، لكن المشكلة تكمن في أنه لا يملك طريقاً مضمونة للوصول إلى ذلك الهدف. المصدر: صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية Post Views: 3 تصفّح المقالات يديعوت أحرونوت: على طريق الدولة الفلسطينية تحذير أميركي لإسرائيل: “تحولتم إلى دولة منبوذة”