بقلم غادي عزرا – كاتب إسرائيلي –لديّ عادة ربما يراها البعض غير محببة: أحب أن أقرأ النصوص من مصادرها الأصلية، ولا أعتمد كثيراً على التقارير، أو التحليلات الإعلامية. فعندما يعود المرء إلى المصدر الأصلي، يكتشف أموراً مثيرة للاهتمام، لم يثِر إعلانها الضجيج، لكنها تساعد على فهم الواقع مثلما هو. تُعد مسودة الاتفاق الخاصة بقطاع غزة، والتي نشرها “مجلس السلام”، مثالاً ممتازاً لذلك؛ لقد تحدث الرئيس الأميركي في تصريحه عن خطوة تاريخية تهدف إلى تفكيك حركة “حماس” وضمان أمن إسرائيل؛ أمّا بنود الاتفاق نفسها، فهي بخلاف ذلك، تكشف عن عقبات ستواجهنا قريباً، في أفضل الأحوال، وعن مضمون يصبّ في مصلحة “حماس”، في أسوأ الأحوال. ومن الأمثلة لهذه الألغام ما يُسمى “لجنة التحقق”؛ إنها هيئة جديدة تدخل إلى حياتنا، تركيبتها وآلية عملها غير واضحتين، لكنها في الواقع الجهة التي ستقرر أيّ الطرفين يعرقل تنفيذ مراحل الاتفاق. وبعبارة أُخرى، حتى لو لم يكن أي طرف من الطرفين ينوي تنفيذ الاتفاق، فسيكون أمامنا جهاز يحدد المسؤول عن ذلك. ولن يقتصر أثر قراره على صورة إسرائيل دولياً، سواء باعتبارها عائقاً أمام التهدئة الإقليمية، أو عاملاً مساعداً لها، بل سيكون لذلك أيضاً أهمية بالغة فيما يتعلق بطبيعة علاقاتنا بالولايات المتحدة، التي تراهن على الاتفاق الحالي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر. ومن المرجّح أن يكون لقطر، أو تركيا، تمثيل في هذه الآلية، الأمر الذي يضعنا في موقف ضعف بنيوي. غير أن المشكلة الأبرز في الاتفاق لا تتعلق بألغام محددة، مثل لجنة التحقق، بل بجوهره، أي وضع الأساس لإقامة دولة فلسطينية معادية؛ بطبيعة الحال، من الممكن تأييد فكرة الدولة الفلسطينية، أو معارضتها، لكن ما لا يمكن قبوله هو إقامة كيان يشكل تهديداً أمنياً بشكل افتراضي، ومنذ البداية. ولدى قراءة بنود الاتفاق، يبدو كأن جميع المقومات اللازمة لذلك موجودة فعلاً. والسبب المركزي لذلك هو قدرة “حماس” على الاندماج في هيئات الحكم التي ستعمل تحت إطار “المجلس الوطني لإدارة غزة”، أو “حكومة التكنوقراط”، حسبما يحب البعض تسميتها؛ لقد ذُكر في المسودة المنشورة أن “حماس” لن تشارك فيها، لكن النص لا يتضمن أي آلية تمنع حدوث ذلك فعلياً. ولتوضيح الأمر، تشير المسودة إلى أن كل مرشح للخدمة في “الشرطة الفلسطينية” الجديدة سيخضع لـ”عملية فرز دقيقة”، لكن لا تُذكر تفاصيل هذه العملية، ولا الجهة التي ستحدد معاييرها. ومن خلال فحص تصريحات أولئك “التكنوقراط”، يبدو كأن عملية الفرز هذه لن تكون شبيهة باختبارات القبول في كلية طب الأسنان. وفي أي حال، لا نتحدث عن هيئة من دون أجندة جرى إنشاؤها من العدم، بل عن كيان فلسطيني يحمل توجهاً متشدداً حيال إسرائيل. علاوةً على ذلك، تنص المسودة على أن المرشح الذي لا يجتاز عملية الفرز للشرطة “سيُعرَض عليه منصب مدني، أو التقاعد، وفقاً للقانون الفلسطيني.” هناك مثال آخر؛ فوفقاً للمخطط، لن يُنقل السلاح الفلسطيني “الثقيل” إلى إسرائيل، أو إلى أي جهة غير فلسطينية، بل سيُسلَّم فقط لـ”حكومة التكنوقراط”؛ أمّا الأسلحة الشخصية، فسيُسمح بها، وفقاً لـ”القانون الفلسطيني”. ما هو هذا القانون تحديداً؟ وكيف يمكن منع أحد عناصر “حماس”، الذي لم يتحول – بمعجزة ما – إلى شرطي، أو موظف، من حيازة بندقية كلاشينكوف؟ لدى “التكنوقراط” الإجابات عن ذلك. كيف ينسجم مسار كهذا، حيث يستمر انتشار السلاح في القطاع، مع عمليات نزع السلاح؟ هذا ليس واضحاً؛ كذلك لا تظهر آليات نزع التطرف في الاتفاق على الإطلاق. ومن منظور تاريخي، فإن المعنى هو أن رؤية الدولة الفلسطينية تكتسب شكلاً وواقعاً بدعمٍ دولي. ومَن سيتولى قيادة الدولة الناشئة ليس “محبّاً لصهيون”؛ كذلك يكتنف آلية حفظ السلاح وترخيصه الغموض؛ والقدرة على إقصاء “حماس” عن مؤسسات الحكم تبدو ضعيفة؛ أمّا إلغاء منظومة التحريض الفلسطينية، فلا يبدو مطروحاً أصلاً. ربما تكون النوايا حسنة في الخطوة الحالية، لكنها مليئة بالثغرات، وبـ”جهات رقابية” مفروضة من الخارج. وبعد ما يقارب الثلاثة أعوام على “مجزرة” السابع من أكتوبر، وُضع حجر الأساس لإقامة دولة معادية في غزة المصدر: صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية Post Views: 4 تصفّح المقالات طبيب فلسطيني معتقل ينقل تفاصيل الإهمال الطبي والاعتداءات الإسرائيلية